وقوله في هذه الآية الكريمة: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً} قرأه الكوفيون: وهم عاصم وحمزة والكسائي"قبلاً"بضم القاف والباء. وقرأه الأربعة الباقون من السبعة: وهم نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر " قبلاً بكسر القاف وفتح الباء. أما على قراءة الكوفيين فقوله"قبلاً"بضمتين جمع قبيل. والفعيل إذا كان اسماً يجمع على فعل كسرير وسرر ، وطريق وطرق ، وحصير وحصر ، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:"
وفعل لاس رباعي بمد... قد زيد قبل لام اعلالاً فقد
ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف.. إلخ.
وعلى هذا ، فمعنى الآية {أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً} أي أنوا مختلفة ، يتلو بعضها بعضاً. وعلى قراءة من قرأوا"قبلاً"كعنب ، فمعناه عياناً ، أي أو يأتيهم العذاب عياناً. وقال مجاهد رحمه الله"قبلاً"أي فجأة. والتحقيق: أن معناه عياناً وأصله من المقابلة ، لأن المتقابلين بعاين كل واحد منهما الآخر.
وذكر أو عبيدك أن معنى القراءتين واحد ، وأن معناهما عياناً ، وأصله من المقابلة. وانتصاب"قبلاً"على الحال على كلتا القراءتين. وهو على القولين المذكروين في معنى"قبلاً"إن قدرنا أنه بمعنى عياناً ، فهو مصدر منكر حال كما قدمنا مراراً. وعلى أنه جمع قبيل: فهو اسم جامد مؤول بمشتق ، لأنه في تأويل: أو يأتيهم العذاب في حال كوه أنواعاً وضروباً مختلفة. والمصدر المنسبك من"أن"وصلتها في قوله {أن يؤمنوا} في محل نصب. لأنه مفعول"منع"الثاني ، والمنسبك من"أّنْ"وصلتها في قوله {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين} في محل رفع ، لأنه فاعل"منع"لأن الاستثناء مفرغ ، وما قبل"إلا"عامل فيما بعدها ، فصار التقدير: منع الناس الإيمان إتيان سنة الأولين ، على حد قوله في الخلاصة:
وإن يفرغ سابق إلا لما... بعد يكن كما لو إلا عدما