وذيّل الآية بقوله: {غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 32] لأنه ما من مؤمن إلا وقد عمل سيئة ، أو همَّ بها ، وكأن الحق سبحانه يقول: إياك أنْ تذكرَ ما كان منك وأنت في هذا النُّزُل الكريم ، فالله غفور لسيئتك ، رحيم بك ، يقبل توبتك ، ويمحو أثر سيئتك .
والحديث عن النُّزل هنا في الجنة ، فهي محلُّ الإكرام والضيافة ، فإن استخدم في النار فهو للتهكُّم والسخرية من أهلها ، كما قال تعالى: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} [الواقعة: 92 - 93]
فقد استخدم النزل في غير مقتضاه .
بعد أن جاء الأمر الإلهي في قوله تعالى: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ . .} [الكهف: 29] أراد سبحانه أنْ يُبيّن حكم كُلٍّ من الاختيارين: الإيمان ، والكفر على طريقة اللَّفِّ والنشر ، وهو أسلوب معروف في العربية ، وهو أن تذكر عدة أشياء ، ثم تُورِد أحكامها حَسْب ترتيبها الأول ، أو تذكرها مُشوَّشة دون ترتيب .
ومن النوع الأول الذي يأتي فيه اللَّفُّ والنشْر على الترتيب قوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ . .} [القصص: 73]
أي: لتسكنوا في الليل ، وتبتغوا من فضل الله في النهار .
فالترتيب إذا كان الحكم الأول للمحكوم عليه الأول ، والحكم الثاني للمحكوم عليه الثاني وهكذا ، ومن ذلك قول الشاعر:
قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسان وخالقي ... هذه أربع مُخْبر عنها ، فما قصتها وبماذا أخبرنا عنها؟ يقول:
قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسَانُ وخالِقِي ... رَاضٍ وباكٍ شَاكِرٌ وغَفُورُ
فتكون على الترتيب: قلبي راضٍ ، وجفني باكٍ ، ولساني شاكر ، وخالقي غفور .