ثم قال - عليه الرحمة: ومن ظن أن ذلك تعظيم لهم فهو غالط جاهل . فإن تعظيمهم إنما هو بطاعتهم واتباع أمرهم ومحبتهم وإجلالهم . فمن عظمهم بما هو عاص لهم به ، لم يكن ذلك تعظيما ً . بل هو ضد التعظيم . فإنه متضمن مخالفتهم ومعصيتهم . فلو سجد العبد لهم أو دعاهم من دون الله أو سبحهم أو طاف بقبورهم واتخذ عليها المساجد والسرج ، وأثبت لهم خصائص الربوبية ، ونزههم عن لوازم العبودية ، وادعى أن ذلك تعظيم لهم كان من أجهل الناس وأضلهم . وهو من جنس تعظيم النصارى للمسيح حتى أخرجوه من العبودية . وكل من عظّم مخلوقاً بما يكرهه ذلك المعظَّم ويبغضه ، ويمقت فاعله ، فلم يعظمه في الحقيقة ، بل عامله بضد تعظيمه . فتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم أن تطاع أوامره وتصدق أخباره ولا يقدم على ما جاء به غيره . فالتعظيم نوعان: أحدهما ما يحبه المعظَّم ويرضاه ويأمر به ويثني على فاعله ، فهذا هو التعظيم في الحقيقة . والثاني ما يكرهه ويبغضه ويذم فاعله ، فهذا ليس بتعظيم بل هو غلوّ مناف للتعظيم . ولهذا لم يكن الرافضة معظمين لعلي ، بدعواهم الإلهية والنبوة أو العصمة ونحو ذلك . ولم يكن النصارى معظمين للمسيح . بدعواهم فيه ما ادعوا . والنبي صلى الله عليه وسلم . قد أنكر على من عظمه بما لم يشرعه . فأنكر على معاذ سجوده له وهو محض التعظيم . وفي المسند بإسناد صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا محمد ! يا سيدنا ! وابن سيدنا ! وخيرنا ! وابن خيرنا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بتقواكم ، ولا يستهوينكم الشيطان . أنا محمد بن عبد الله ، عبد الله ورسوله ، ما أحب أن تعرفوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عزّ وجلّ ) . وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم . فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ) وكان يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه . ونهاهم أن يصلوا خلفه قياماً وهو مريض