وبهذا التحريرِ اتَّضحَ طريقُ الهداية ، وتبين أنها عبارةٌ عن مطلق الدلالةِ على ما من شأنه الإيصالُ إلى البُغية بتعريف معالمهِ وتبيين مسالكِه ، من غير أن يُشترط فِي مدلولها الوصولُ ولا القبول ، وأن الدلالة المقارِنة لهما أو لأحدهما أو المفارِقة عنهما كلُّ ذلك مع قطع النظر عن قيد المقارنة وعدمها أفرادٌ حقيقية لها ، وأن ما فِي قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} وقوله تعالى: {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ} ونحوُ ذلك مما اعتُبر فيه الوصولُ من قبيل المجاز ، وانكشف أن الدلالاتِ التكوينية المنصوبة فِي الأنفس والآفاق والبيانات التشريعية الواردة فِي الكتب السماوية على الإطلاق بالنسبة إلى كافة البرية برِّها وفاجرِها هداياتٌ حقيقيةٌ ، فائضة من عند الله سبحانه ، والحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتديَ لولا أن هدانا الله.
(معاني التقوى ومراتبها)
{لّلْمُتَّقِينَ} أي المتصفين بالتقوى حالاً أو مآلاً ، وتخصيصُ الهدى بهم لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره ، وإن كان ذلك شاملاً لكل ناظر ، من مؤمن وكافر ، وبذلك الاعتبار قال الله: {هُدًى لّلنَّاسِ} والمتقي اسمُ فاعلٍ من باب الافتعال من الوقاية وهي فرْطُ الصيانة.