وإن قيل: التعلمُ من قبيل الأفعال الاختياريةِ مع أنه معتبرٌ فِي مدلول التعليم قطعاً ، فليكن الهدى مع الهداية كذلك ، قلنا: ليس ذلك لكونه فعلاً اختيارياً على الإطلاق ، ولا لكون التعليم عبارةً عن تحصيل العلم للمتعلم كما قيل ، فإن المعلم ليس بمستقل فِي ذلك ، ففي إسناده إليه ضربُ تجوّز ، بل لأن كلاًّ منهما مفتقر فِي تحققه وتحصُّله إلى الآخر ، فإن التعليمَ عبارةٌ عن إلقاء المبادىءِ العلمية على المتعلم وسَوْقِها إلى ذهنه شيئاً فشيئاً على ترتيب يقتضيه الحال ، بحيث لا يُساق إليه بعضٌ منها إلا بعد تلقِّيه لبعضٍ آخر ، فكلٌّ منهما متمِّمٌ للآخَر معتبرٌ فِي مدلوله. وأما الهدى الذي هو عبارةٌ عن التوجُّه المذكور ففعلٌ اختياريٌّ يستقِلُّ به فاعلُه لا دخلَ للهداية فيه سوى كونِها داعيةً إلى إيجاده باختياره ، فلم يكن من متمماتها ولا معتبراً فِي مدلولها.
إن قيل: التعليمُ نوعٌ من أنواع الهداية ، والتعلمُ نوعٌ من أنواع الاهتداء فيكون اعتبارُه فِي مدلول التعليم اعتباراً للهدى فِي مدلول الهداية ، قلنا إطلاقُ الهداية على التعليم إنما هو عند وضوحِ المسلك ، واستبدادِ المتعلم بسلوكه من غير دخلٍ للتعليم فيه ، سوى كونه داعياً إليه ، وقد عرفت جليةَ الأمر على ذلك التقدير ، إن قيل: أليس تخلّفُ الهدى عن الهداية كتخلف التعلم عن التعليم ، فحيث لم يكن ذلك تعليماً فِي الحقيقة فلتكن الهداية أيضاً كذلك ، وليُحمَلْ تسميةُ ما لا يستتبعُ الهدى بها على التجوز ، قلنا: شتانَ بين التخلّفَيْن ، فإن تخلف التعلم عن التعليم يكون لقصور فيه ، كما أن تخلفَ الانكسار عن الضرب الضعيف لذلك.
وأما تخلفُ الهدى عن الهداية فليس لشائبةِ قصورٍ من جهتها ، بل إنما هو لفقد سببه الموجبِ له من جهة المهديّ ، بعد تكاملِ ما يتم من قبل الهادي.