الذي هو الضلال توجهٌ غيرُ موصل قطعاً ، وهذا كما ترى مبنيٌّ على أمرين: اعتبارِ الوصولِ وجوباً فِي مفهوم اللازم ، واعتبارِ وجودِ اللازم وجوباً فِي مفهوم المتعدّي ، وكلا الأمرين بمعزل من الثبوت ، أما الأول فلأن مدارَ التقابل بين الهدى والضلالِ ليس هو الوصولَ وعدمَه على الإطلاق ، بل هما معتبَران فِي مفهوميهما على وجهٍ مخصوصٍ به ، ليتحقق التقابلُ بينهما.
وتوضيحُه أن الهدى لا بد فيه من اعتبار توجّهٍ عن علم إلى ما مِنْ شأنه الإيصالُ إلى البُغية ، كما أن الضلال لا بد فيه من اعتبار الجَوْرِ عن القَصْد إلى ما ليس من شأنه الإيصالُ قطعاً ، وهذه المرتبةُ من الاعتبار مُسلّمةٌ بين الفريقين ، ومُحقِّقةٌ للتقابل بينهما ، وإنما النِّزاعُ فِي أن إمكان الوصولِ إلى البغية هل هو كافٍ فِي تحصيل مفهومِ الهدى ، أو لا بد فيه من خروج الوصولِ من القوة إلى الفعل ، كما أن عدم الوصولِ بالفعل معتبرٌ فِي مفهوم الضلال قطعاً ؟
إذا تقرر هذا فنقول: إن أريد باعتبار الوصولِ بالفعل فِي مفهوم الهدى اعتبارُه مقارِناً له فِي الوجود زماناً حسَبَ اعتبارِ عدمِه فِي مفهوم مقابلِه فذلك بيِّنُ البُطلان ، لأن الوصولَ غايةٌ للتوجّه المذكور ، فينتهي به قطعاً ، لاستحالة التوجُّهِ إلى تحصيل الحاصِل ، وما يبقى بعد ذلك فهو إما توجّهٌ إلى الثبات عليه ، وإما توجّهٌ إلى زيادته ، ولأن التوجّهَ إلى المقصدِ تدريجيّ ، والوصولَ إليه دفعيّ ، فيستحيلُ اجتماعهما فِي الوجود ضرورة ، وأما عدمُ الوصولِ فحيث كان أمراً مستمراً مثلَ ما يقتضيه من الضلال وجبَ مقارنتُه له فِي جميع أزمنةِ وجوده.