وقرئ (لا ريبٌ فيه) على أن لا بمعنى ليس ، والفرق بينه وبين الأول أن ذلك موجبٌ للاستغراق ، وهذا مجوِّزٌ له ، والريب فِي الأصل مصدرُ رابني إذا حصل فيك الرِّيبة ، وحقيقتُها قلقُ النفس واضطرابُها ، ثم استعمل فِي معنى الشك مطلقاً ، أو معَ تُهمة ، لأنه يُقلق النفسَ ويزيل الطُمَأْنينة ، وفي الحديث:"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُك"ومعنى نفيه عن الكتاب أنه فِي علو الشأن وسطوعِ البرهانِ بحيث ليس فيه مظنةُ أن يُرتاب فِي حقّيته ، وكونِه وحياً منزلاً من عند الله تعالى ، لا أنه لا يرتاب فيه أحد أصلاً ، ألا ترى كيف جُوِّز ذلك فِي قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا} الخ. فإنه فِي قوةِ أن يقال: وإن كان لكم ريبٌ فيما نزلنا ، أو إنِ ارتبتم فيما نزلنا ، الخ إلا أنه خُولِفَ فِي الأسلوب حيث فُرض كونُهم فِي الريب لا كونُ الريبِ فيه لزيادة تنزيهِ ساحة التنزيل عنه ، مع نوع إشعارٍ بأن ذلك من جهتهم ، لا من جهته العالية ، ولم يُقصَدْ هاهنا ذلك الإشعارُ ، كما لم يقصَدِ الإشعارُ بثبوت الريبِ فِي سائر الكتب ، ليقتضِيَ المقامُ تقديمَ الظرف ، كما فِي قوله تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} {هُدًى} مصدرٌ من هداه ، كالسُّرى والبُكا ، وهو الدَّلالةُ بلطفٍ على ما يوصِل إلى البُغية ، أي ما مِنْ شأنه ذلك ، وقيل: هي الدلالة الموصلةُ إليها ، بدليل وقوعِ الضلالة فِي مقابلته ، فِي قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} وقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ} ولا شك فِي أن عدم الوصولِ معتبرٌ فِي مفهوم الضلال ، فيعتبر الوصولُ فِي مفهوم مقابلهِ ، ومن ضرورة اعتبارِه فيه اعتبارُه فِي مفهوم الهدى المتعدّي ، إذ لا فرق بينهما إلا من حيث التأثيرُ والتأثّر ، ومحصّلهُ أن الهدى المتعدّي هو التوجيهُ الموصِل ، لأن اللازم هو التوجُّه الموصِلُ ، بدليل أن مقابِلَه