ولا يجوز أن تكون دعوته خاصة وحجته، لأنه لو جاز أن يكون أحد من العاجزين عن الإتيان بمثل القرآن من داخل في دعوته لجاز أن يكونوا كلهم غير داخلين في دعوته، وفي هذا إبطال أن يكون العجز الذي ذكرنا حجة على أحد.
وإذا كان هذا في زمانه إلى يومنا هذا هكذا، فهو إلى أن تقوم الساعة مثله لأنه لو كان بعده رسول لكانت رسالته لا تحيل وجود القرآن في قلوب الناس وفي مصاحفهم.
ومعلوم أنه كان لا يكون مع القرآن إلا معجوزاً عن الإتيان بمثله، لأنه لو استطاع يومئذ أحد أن يأتي بمثله لصار قوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} كذباً.
لأن الخلف إذا عرض فيه ظهر أنه يمكن من عند الله، ولأن الناس كلما تطاول الأيام عليهم ازدادت حظوظهم من اللسان العربي نقصاناً، وقلبه يدل على ذلك، إنهم اليوم فيه دون ما كانوا قبل خمسين سنة، دون ما كانوا فيه بمائة سنة.
فإذا جاء واحد منهم من الذين يأتون بعد.
وقد غلب الجهل باللسان العربي، ونقصت بلاغتهم وفصاحتهم جمل القرآن كان ذلك دلالة على أن المتقدمين كانوا على ذلك أقدر، ولكنهم امتنعوا بسبب، أو قد جاءوا بمثله، ولكنه كتم ولم يعترف به.
فإن كل واحد من هذين الدليلين يوجب أن تكون الدعوة من أصلها فاسدة لا منقطعة متناهية.
وقيل: بل هو القول يدفعه عن الرجاء له إلى العرب، فلم يكن أن يجيز واحداً من الأمرين اللذين ذكرتهما، فبان أن رسولاً لو جاء لم يجئ إلا عاجزاً ومن معه عن الإتيان بمثل القرآن.
والإعجاز حجة النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، فلم يجز بأن تكون حجته باقية ودعوته منقطعة، إذ لو جاز هذا بعد سنين لجاز في عصره وزمانه أن يكون القرآن معجزاً عن مثله، ولا يكون له مع إثباته به دلالة على دعوته، وإذا أوجب أن تكون دعوته باقية لبقاء حجته فقد بان أنه النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وإذا قال «لا نبي معي أو بعدي» صح أن الذي جاء مدعياً أنه نبي مبطل في دعواه.
فإن قيل: أرأيتم لو قال من خالفكم أنه بعث بعده نبي رفع القرآن من بين الناس، فلم يكن من أحد منهم معجوز عن مثله ولا مقدور على مثله؟
قيل: هذا غير جائز، لأنه لو وقع لصار الناس مضطرين إلى العلم بانتهاء دعوة القرآن وتجدد غيرها، ولا يجوز أن يكون العلم بدعوة نبي ضرورة.
فصح أن رفع القرآن من الوجه الذي قاله المعترض غير ممكن والله أعلم.