ومستندُهم في هذه البدعِ: النظرياتُ الفكريةُ، والتأويلاتُ الجدليَّة، ومحاولةُ التوفيقِ بين الدين والفلسفةِ العقليةِ، هذا إذا كان الابتداعُ في المسائلِ الاعتقاديةِ.
وأما الابتداعُ بالزيادةِ في العبادةِ الواردةِ والشعائرِ المشروعةِ، فمنه ما كان كاحتفالاتِ الموالدِ، وترتيلاتِ الجنائزِ، وأذكارِ المآذنِ؛ كالزيادةِ في الأذان، وكأورادِ الصوفيةِ وطُرقِهم، وما يسمُّونه أذكارًا، وما كان في تحريمِ ما لم يحرِّم الله من الزينة والطيِّبات من الرزق، أو في تحليلِ ما حرَّمه: كبناءِ المساجدِ على القبورِ، واتخاذها أعيادًا - موالد - وتشريفِها، وإيقادِ السُّرُجِ عليها، وزخرفتِها، وكسوتِها بأنواعِ الزخرفِ والزينةِ التي جذبت قلوبَ العامَّة والدَّهْماء إلى عبادتِها والطوافِ بها؛ فإن خواصَّهم يحتجُّون لذلك بآراء سقيمةٍ؛ من مقدِّماتٍ عقيمةٍ، واستحساناتٍ
يُنكِرون أصلَها، ويَأخُذون بفروعِها، وعوامُّهم يقولون: قال فلانٌ من المؤلِّفين، وفعَل فلانٌ من الصوفيةِ الصالحين، ونحن لا نفهمُ كلامَ اللهِ ولا كلامَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وإنما نفهمُ كلامَ هؤلاءِ الفحولِ، بل وُجِدَ - ولا يزال يوجد - من المعمَّمين المدرِّسين مَن يصرِّحون في دروسِهم بأنه لا يجوزُ لمسلمٍ في زمانِهم أن يعمَل بكتابِ الله ولا بسنةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ولا بما نقَله المحدِّثون عن سلفِ الأمةِ الصالح، بل على كلِّ مسلمٍ أن يأخذَ بما يلقِّنه إيَّاه أيُّ عالِم يَنتَمِي إلى مذهبٍ من المذاهب المعروفة، وإن لم يَروِ ما يلقِّنه عن إمام المذهب، ولم يستدلَّ عليه بدليلٍ مبنِيٍّ على أصولِ المذهب، التي كان بها مذهًبا، كعمل أهلِ المدينةِ عند مالكٍ بشرطِه، وكونِ الإجماعِ الذي يحتجُّ به هو إجماعَ الصحابةِ دون مَن بعدهم، وهو مذهبُ داودَ، والمشهورُ عن أحمدَ، ورُوي عن أبي حنيفةَ، وكالخلاف في الاحتجاجِ بالحديث المرسَل.
والظالمون بالزندقةِ والنفاقِ يَبغُونَها عوجًا، بالتشكيك فيها بضروبٍ من التأويل، يُقصَدُ بها بطلانُ الثقةِ بها، والصدُّ عنها.