الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة لا نفهم عنهم، إذ قد قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب عليه السلام:
"مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ"
هذا وهو عليه السلام يخاطبهم بلسانهم، فكيف لو كان على خلاف ذلك، بل لو خالفت الرسل عليهم السلام الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات والأولاد، واستعمال الأغذية وغير ذلك من مألوفات البشر لكان ذلك منفرا، فقد بان وجه الحكمة في كونهم من البشر، ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود لافتراق الجنسية وإليه الإشارة بقوله تعالى:"ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون"
أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة.
ولما كانت رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - عامة كان عليه الصلاة والسلام يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكلمها بما تفهم وتأمل
كم بين كتابه - صلى الله عليه وسلم - لأنس (رضي الله عنه) في الصدقة، وكتابه إلى وائل
ابن حُجْر مع اتخاد الغرض، وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها وكل ذلك لتقوم الحجة على الجميع، واستمر باقي سورة إبراهيم عليه السلام على التعريف
بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخر وعذابها.
انتهى انتهى. {البرهان فِي تناسب سور القرآن صـ 236 - 240} .