وأجاب كثير من الأشاعرة والمعتزلة بأن العلم بأن الشيء وجد والعلم بأنه سيوجد واحد فإن من علم أن زيداً سيدخل البلد غداً فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم بأنه دخل البلد الآن إذا كان علمه هذا مستمراً بلا غفلة مزيله له ؛ وإنما يحتاج أحدنا إلى علم آخر متجدد يعلم به أنه دخل الآن لطريان الغفلة عن الأول ، والباري تعالي يمتنع عليه الغفلة فكان علمه سبحانه بأنه وجد عين علمه بأنه سيوجد فلا يلزم من تغير المعلوم تغير في العلم ؛ ونهاية كلامه في هذا المقام أنه يجوز أن يتغير ما في علم الله تعالى وإلا لتعين عليه سبحانه الفعل أو الترك وفيه من الحجر عليه جل جلاله ما لا يخفى ، ولا يلزم من ذلك التغير سوى التغير في التعلقات وهو غير ضار ، واعترض بأنه على هذا القول لا يبقى وثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر وكذا لا يبقى وثوق بالأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لجواز أن يكون الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه لكنه سبحانه لم يخبر ولا نقص في الإخبار الأول لأنه إخبار عما كان متعلق العلم إذ ذاك ، وأيضاً يلزم من ذلك نفي نفس الأمر أو نفي كون تعلق العلم على وفقه وكلا النفيين كما ترى.
بقي الجواب عما تمسك به وهو عن بعض ظاهر وعن بعض يحتاج إلى تأمل فتأمل.
واستدل بالآية بعض الشيعة القائلين بجواز البداء على الله سبحانه وفيه ما فيه هذا.
ويخطر لي في الآية معنى لم أر من ذكره وهو أن يراد بقوله سبحانه: {يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ} ما ذكرناه أولاً قبل حكاية الأقوال وهو مما رواه البيهقي في المدخل.
وغيره عن ابن عباس ، وابن جرير عن قتادة ويخصص ذلك بالأحكام الفرعية ، ويراد بأم الكتاب الأحكام الأصلية فإنها مما لا تقبل النسخ وهي أصل لكل كتاب باعتبار أن الأحكام الفرعية التي فيه إنما تصح ممن أتى بها لكن لا يساعد على هذا المأثور عن السلف.
نعم هو مناسب للمقام كما لا يخفى ، وزعم الضحاك.