والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و {يقدر} أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء {وفرحوا} يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم {وما الحياة الدنيا} ونعيمها في جنب نعيم الآخرة {إلا متاع} شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها ، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه. ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم {قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب} أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض. وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله ، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً ، والذي هداه يراها معجزة. وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه. وقيل: المراد أنه تعالى أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات {الذين آمنوا} بدل ممن أناب {وتطمئن قلوبهم} عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه سبحانه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح