فقال: «هي من قدر الله» فالكون في شقيه الغيبي والمشاهد قد جعل الله له نظاما بأمره، هذا النظام يربط به الحسي بالغيبي، والغيبي بالغيبي، والحسي بالحسي بما لا يعلمه إلا الله عزّ وجل، وكجزء من هذا النظام تسخير الله ملائكة لحفظ الإنسان، لا من قدر قدره الله عليه، ومن ثم تجد حالات عجيبة تجري في هذا الكون يحس بها الإنسان أن مجريات الأمور كانت تقتضي شيئا لكنه لم يقع كما تقتضيه هذه المجريات 3 - في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ بيان لسنة من سنن الله إدراكها مهم لكل إنسان، وخاصة لمن يشتغلون في التربية والتوجيه والسياسة والاجتماع، ومن ثم جعلتها جمعية العلماء في الجزائر في زمن عبد الحميد بن باديس شعار العمل لها، ولقد ألفت المؤلفات الكثيرة في مضمونها، فبدون تغيير للنفس لا يطمع الإنسان بأحسن، وبدون تغيير لأنفس الأمة لا تطمع الأمة بأحسن، كما أن التغير نحو الأسوأ لا بد أن يرافقه تغيير في الحال، إلا إذا شاء الله أن يعفو، فالأنفس التي ألفت الذلة وعانتها إذا لم ترب على الجهاد لا تطمع بتغيير الحال، والأنفس التي ألفت الفوضى إذا لم ترب على النظام لا تطمع بتغيير الحال، والأمة التي ألفت السيادة إذا لم تحتفظ بالحالة النفسية لها عند ما حصلت السيادة لن تدوم لها، ومن ألف التوفيق مع الله وهو طائع إذا واقع المعصية ولم يقلع عنها فلا يطمع باستمرار التوفيق. نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده إلى جهم عن إبراهيم: قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.