والمشقة الحاصلة فيها والتكليف وقع بالقصد الثاني كوقوعه في الأسباب المفضية إلى الغايات المطلوبة لا أنه مقصود لذاته فضلا عن أن يكون هو المقصود لا سواه فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه من الفكر في مصادرها ومواردها يفتح لك بابا واسعا من العلم والإيمان فتكون من الراسخين في العلم لا من الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وكما أنها آية شاهدة له على ما وصف به نفسه من صفات الكمال فهي آية شاهدة لرسوله بأنه رسول حقا وأنه أعرف الخلق وأكملهم وأفضلهم وأقواهم إلى الله وسيلة وأنه لم يؤت عبد مثل ما أوتي فوالهفاه على مساعد على سلوك هذا الطريق واستفتاح هذا الباب والإفضاء إلى ما وراءه ولو بشطر كلمة بل فوالهفاه على من لا يتصدى لقطع الطريق والصد عن هذا المطلب العظيم ويدع المطي وحاديها ويعطي القوس باريها ولكن إذا عظم المطلوب قل المساعد وكثر المعارض والمعاند وإذا كان الاعتماد على مجرد مواهب الله وفضله يغنيه ما يتحمله المتحمل من أجله فلا يثنك شنآن من صد عن السبيل وصدق ولا تنقطع مع من عجز عن مواصلة السري ووقف فإنما هي مهجة واحدة فانظر فيما تجعل تلفها وعلى من تحتسب خلفها.
أنت القتيل بكل من أحببته ... فانظر لنفسك في الهوى من تصطفي
وأنفق أنفاسك فيما شئت فإن تلك النفقة مردودة بعينها عليك وصائرة لا سواها إليك وبين العبد وبين السعادة والفلاح صبر ساعة لله وتحمل ملامة في سبيل الله.
وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول
وقد أطلنا ولكن ما أمللنا فإن قلبا فيه أدنى حياة يهتز إذا ذكر الله ورسوله ويود أن لو كان المتكلم كله ألسنة تالية والسامع كله آذانا واعية ومن لم يجد قلبه ثم ثم فليشتغل بما يناسبه فكل ميسر لما خلق له وكل يعمل على شاكلته.
وكل امرئ يهفو إلى من يحبه
وكل امرئ يصبو إلى ما يناسبه
(فصل)
وقد عرفت بهذا جواب السؤال الحادي والعشرين: أن كمال التحية عند ذكر البركات إذ قد استوعبت هذه الألفاظ الثلاث جميع المطالب من دفع الشر وحصول الخير وثباته وكثرته ودوامه فلا معنى للزيادة عليها ولهذا جاء في الأثر المعروف انتهى السلام إلى وبركاته.
(فصل)