نعم مما لا سبيل أيضا إلى إنكاره ان الرؤيا أمر إدراكي وللخيال فيها عمل والمتخيلة من القوى الفعالة دائما ربما تدوم في عملها من جهة الانباء الواردة عليها من ناحية الحس كاللمس والسمع وربما تأخذ صورا بسيطة أو مركبة من الصور والمعاني المخزونة عندها فتحلل المركبات كتفصيل صورة الإنسان التامة إلى راس ويد ورجل وغير ذلك وتركب البسائط كتركيبها إنسانا مما اختزن عندها من اجزائه واعضائه فربما ركبته بما يطابق الخارج وربما ركبته بما لا يطابقه كتخيل إنسان لا راس له أو له عشرة رؤس .
وبالجملة للأسباب والعوامل الخارجية المحيطة بالبدن كالحر والبرد ونحوها والداخلية الطارئة عليه كأنواع الامراض والعاهات وانحرافات المزاج وامتلاء المعدة والتعب وغيرها تأثير في المتخيلة فلها تأثير في الرؤيا .
فترى ان من عملت فيه حرارة أو برودة بالغة يرى في منامه نيرانا مؤججة أو الشتاء والجمد ونزول الثلوج وان من عملت فيه السخونة فألجمه العرق يرى الحمام وبركان الماء ونزول الامطار ونحو ذلك وان من انحرف مزاجه أو امتلات معدته يرى رؤيا مشوشة لا ترجع إلى طائل .
وكذلك الاخلاق والسجايا الإنسانية شديدة التأثير في نوع تخيله فالذي يحب إنسانا أو عملا لا ينفك يتخيله في يقظته ويراه في نومته والضعيف النفس الخائف الذعران إذا فوجئ بصوت يتخيل اثره أمور هائلة لا إلى غاية وكذلك البغض والعداوة والعجب والكبر والطمع ونظائرها كل منها يجر الإنسان إلى تخيله صور متسلسلة تناسبه وتلائمه وقل ما يسلم الإنسان من غلبة بعض هذه السجايا على طبعه .
ولذلك كان اغلب الرؤى والمنامات من التخيلات النفسانية التي ساقها إليها شيء من الأسباب الخارجية والداخلية الطبيعية أو الخلقية ونحوها فلا تحكى النفس بحسب الحقيقة الا كيفية عمل تلك الأسباب واثرها فيها فحسب لا حقيقة لها وراء ذلك .