110 -قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} الآية.
(حتى) هاهنا حرف من حروف الابتداء يستأنف بعدها كما يستأنف بعد"أما، وإذا"، وذلك أن (حتى) لها ثلاثة أحوال: إما أن تكون جارة، أو عاطفة، [أو كانت من حروف الابتداء، وليست هاهنا جارة ولا عاطفة] ، وحيث ينصب الفعل إنما ينصبه بإضمار أن، ومما جاء فيه (حتى) حرفًا مبتدأ كقوله:
وحَتّى الجِيَادُ ما يُقَدْنَ بأرْسَانِ
ألا ترى أنها ليست عاطفة لدخول حرف العطف عليها، ولا جارة لارتفاع الاسم بعدها، ومثله:
حتى إذا سَلَخَا جُمَادَى ستةً ... جَزَءًا فطالَ صيامُه وصيامُها
ومعني قوله: {اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} أي من إيمان قومهم، قال ابن عباس: يريد من قومهم أن يؤمنوا، وذكرنا الكلام في: {اسْتَيْأَسَ} عند قوله: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} [يوسف: 80] .
وقوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} أي: أيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، وهذا معنى قول عطاء وقتادة والحسن. وأكثر من قرأ (كُذِّبوا) بالتشديد، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما زال النبلاء بهم حتى ظنوا أن من آمن بهم من أتباعهم قد كذبهم فأتاهم نصر الله عن ذلك، وعلى هذا القول: الظن بمعنى الحسبان، والتكذيب مظنون من جهة من آمن بهم، والمعنى: ظنت الرسل ظن حسبان أن أتباعهم من الأمم قد كذبتهم في وعد الظفر والنصر لإبطائه وتأخيره عنهم، وطول البلاء بهم، لا أنهم كذبوهم في كونهم رسلاً، وهذا التكذيب أيضًا لم يحصل من أتباعهم المؤمنين؛ لأنه لو حصل لكان نوع كفر، ولكن الرسل ظنت بهم ذلك لبُطء النصر، وعلى القول الأول الظن بمعنى: اليقين والتكذيب المتيقن من جهة الكفار، وعلى القولين جميعا الكناية في (ظنوا) للرسل.