وفي"آراء أهل المدينة الفاضلة"للفارابي اثنتا عشرة جامعة بكل منهن قوم اتحدت بها: كاللغة ، والوطن ، والدين ، والأخلاق ، والجنس ، والحكيم المرشد ، والأب الأكبر ، ونحو ذلك مما امتازت به أمة أو جماعة .
ولما تم له ، عليه السلام ، الأمران - سياسة النفس والعشيرة - أخرج من السجن معظماً مبجلاً ، وترقى من تعليم الصعلوك في السجن إلى تعليم الملوك على العروش ، وأخذ يربهم كيف يقتصدون الأموال ، وعبر لهم السنبلات الخضر واليابسات ، والبقرات السمان والعجاف ، وأرشدهم إلى خزن البر وسنابله ؛ لئلا يفسد ، وغير ذلك من الأمور العامة . وهذه هي المرتبة الثالثة: سياسة الأمة بأجمعها بعد قطع تينك العقبتين .
والبراعة والكياسة في علوم العمران ، وتدبير أمر الأمة ، إما بوحي ، وهذا خاص به وبأمثاله من الأنبياء عليهم السلام ، وإما بتعليم وتدريب ، وهو اللائق بسائر الناس .
ترشد هذه السيرة الشريفة إلى أن الأخلاق الفاضلة ما تثبت عليها النفس مع الحقير والعظيم والصغير والكبير ، وأن الإنسان لا يستحقر تعليم الأصاغر ، فإنه لا بد يوماً ما أن يصل إلى الأكابر ، كما في حديث هرقل مع أبي سفيان ، وتعليم الصديق من في السجن . فبلغ صاحب السجن فرعون المصريين .
ابتلي هذا النبي بالسراء والضراء فلم تتغير أخلاقه ، وكان نموذج الكمال في سعة بيت الملك والجلال ، وموضع الثقة في ضيق قبر السجن وعشرة الأسافل التي تتغير بها الأخلاق ، وتنسى بها أصول الأعراق ، وتنزل الكامل من عروش الفضيلة إلى أسفل مقاعد الرذيلة ، ومن أوج الكمال إلى حضيض النقص ! .