فيوسف عليه السلام لم يطلب ولاية ، وإنما طلب الإصلاح ليتخذ من إصلاحه سبيلاً لدعوته وتحقيقاً لرسالته ، حيث أنه كان آمراً فيستجاب ، ولم يكن مأموراً للإيجاب حيث أنه كان واثقاً بالإيمان ومؤمناً بوثوق .
وقد تأتي ظروف لا تحتمل التجربة مع الناس ، فمن يثق بنفسه أنه قادر على القيام بالمهمة فله أن يعرض نفسه .
ومثال ذلك: لنفترض أن قوماً قد ركبوا سفينة ؛ ثم هاجتْ الرياح وهبَّتْ العاصفة ؛ وتعقَّدت الأمور ؛ وارتبك القبطان ، وجاءه مَنْ يخبره أنه قادر على أن يحل له هذا الأمر ، ويُحسن إدارة قيادة المركب ، وسبق للقبطان أن علم عنه ذلك .
هنا يجب على القبطان أن يسمح لهذا الخبير بقيادة السفينة ؛ وبعد أن ينتهي الموقف ؛ على القبطان أن يُوجِّه الشكر لهذا الخبير ؛ ويعود لقيادة السفينة .
إذن: فمن حقِّ الإنسان أن يطلب الولاية إذا تعيَّن عليه ذلك ، بأن يرى أمراً يتعرض له غير ذي خبرة يُفسد هذا الأمر ، وهو يعلم وَجْه الصلاح فيه . وهنا يكون التدخل فرض عين من أجل إنقاذ المجتمع .
وفي مثل هذه الحالة نجد مَنْ طلب الولاية وهو يملك شجاعتين:
الشجاعة الأولى: أنه طلب الولاية لنفسه ؛ لثقته في إنجاح المهمة .
والشجاعة الثانية: إنه حجب من ليس له خبرة أن يتولى منصباً لا يعلم إدارته ، وبهذا يصير الباطل متصرفاً .
وبذلك يُظهر وَجْه الحق ؛ ويُزيل سيطرة الباطل .
ولذلك نجد يوسف عليه السلام يقول للملك:
{اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] .
والخزائن يوجد فيها ما يُمكّن المسيطر عليها من قيادة الاقتصاد .
وقالوا: إن يوسف طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض ، لوضع سياسة اقتصادية يواجهون بها سبع سنين من الجَدْب ، وتلك مسألة تتطلب حكمة وحِفْظاً وعِلْماً .