وكان يوسف عليه السلام يأخذ من كل راغبٍ في المَيْرة الأثمان من ذهب وفضة ، ومَنْ لا يملك ذهباً وفضة كان يُحضر الجواهر من الأحجار الكريمة ؛ أو يأتي بالدواب ليأخذ مقابلها طعاماً .
ومَنْ لا يملك كان يُحضر بعضاً من أبنائه للاسترقاق ، أي: يقول رَبُّ الأسرة الفقيرة: خُذْ هذا الولد ليكون عبداً لقاء أن آخذ طعاماً لبقية أفراد الأسرة .
وكان يوسف عليه السلام يُحسِن إدارة الأمر في سنوات الجَدْب ليشُد كل إنسان الحزام على البطن ، فلا يأكل الواحد في سبعة أمعاء بل يأكل في مِعىً واحد ، كما يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:
"المؤمن يأكلَ في مِعيٍّ واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
وكان التموين في سنوات الجَدْب يقتضي دِقَّة التخطيط ، ولا يحتمل أيَّ إسراف .
وما دام لكل شيء ثمن يجب أن يُدفع ، فكل إنسان سيأخذ على قَدْر ما معه ، وبعد أن انتهت سنوات الجَدْب ، وجاءت سنوات الرخاء ؛ أعاد يوسف لكل إنسان ما أخذه منه .
وحين سُئِل: ولماذا أخذتَ منهم ما دُمْتَ قد قررت أن تردَّ لهم ما أخذته؟
أجاب: كي يأخذ كل إنسان في أقلَّ الحدود التي تكفيه في سنوات الجدب .
ومثل هذا يحدث عندنا حين نجد البعض ، وهو يشتري الخبز المُدعَّم ليُطعِم به الماشية ، وحين يرتفع ثمن الخبز نجد كل إنسان يشتري في حدود ما معه من نقود ، ويحرص على ألاَّ يُلقِي مما اشترى شيئاً .
وكانت قدرة الدولة أيام الجفاف محدودة ؛ لذلك وجب على كل فرد أن يعمل لنفسه .
ونحن نرى ذلك الأمر ، وهو يتكرر في حياتنا ؛ فحين لا يجد أحد ثمن اللحم فقد لا تهفو نفسه إلى اللحم ، وقد يعلن في كبرياء:"إن معدتي لم تَعُدْ تتحمل اللحم".
وقد يعلن الفقير حُبَّه للسمك الصغير ؛ لأن لحمه طيِّب ، عكس السمك الكبير الذي يكون لحمه"مِتفِّلاً"، أو يعلن إعجابه بالفجل الطازج ، لأنه لذيذ الطعم .