قلت: روى مجاهد أنه كان قد أسلم ، وعن قتادة هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملاً من يد سلطان جائر . وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه . وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق ، فله أن يستظهر به .
وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ، ولا يعترض عليه في كل ما رأى ، فكان في حكم التابع له والمطيع . انتهى .
وهذه الآية أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه ، لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه ، وجواز التولية عن الكافر والظالم . وأصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحته ، وفي أن المتولي أمراً ؛ شرطه أن يكون عالماً به ، خبيراً ، ذكي الفطنة . كذا في"الإكليل".
قال أبو السعود: وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله ، عليه السلام ، من جعله على خزائن الأرض ، إيذاناً بأن ذلك أمر لا مرد له ، غني عن التصريح ، ولا سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها ، من قوله: {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} ، وللتنبيه على أن كل ذلك من الله عز وجل ، وإنما الملك آلة في ذلك .
تنبيه:
قال ابن كثير: خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات الخ .
ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات ، ولم أقف عليه في كلام غيره .
و (الأهرام) بفتح الهمزة ، جمع هرم بفتحتين ، وهي مبان مربعة الدوائر ، مخروطية الشكل ، بقي منها الآن ثلاثة في الجيزة ، بعيدة أميالاً عن القاهرة ، معدودة من غرائب الدنيا ، دعيت لرؤياها أيام رحلتي للديار المصرية عام 1321 هـ . وقد استقر رأي المتأخرين في تحقيق شأنها على أنها كانت مدافن لملوكهم .