وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (هِيتَ لَكَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَسْكِينِ الْيَاءِ وَفَتْحِ التَّاءِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ: (هَيْتَ) لَكَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَسْكِينِ الْيَاءِ وَضَمِّ التَّاءِ وَقَرَأَهُ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ: «هَيْتِ لَكَ» بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ. وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بَيْتًا لِطَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ فِي «هَيْتُ» بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّ التَّاءِ، وَذَلِكَ:
[البحر الخفيف]
لَيْسَ قَوْمِي بِالْأَبْعَدِينَ إِذَا مَا ... قَالَ دَاعٍ مِنَ الْعَشِيرَةِ هَيْتُ
وَأَوْلَى الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: {هَيْتَ لَكَ} بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالتَّاءِ، وَتَسْكِينِ الْيَاءِ، لِأَنَّهَا اللُّغَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهَا، وَأَنَّهَا فِيمَا ذُكِرَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:"قَدْ سَمِعْتُ الْقُرَّاءَ، فَسَمِعْتُهُمْ مُتَقَارِبَيْنَ، فَاقْرَءُوا كَمَا عَلِمْتُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ وَالِاخْتِلَافَ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ: هَلُمَّ وَتَعَالَ."
ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: {هَيْتَ لَكَ} فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَهَا: «هِيتَ لَكَ» فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي أَقْرَؤُهَا كَمَا عَلِمْتُ أَحَبَّ إِلَيَّ""
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، أَنَّ الْعَرَبَ، لَا تُثَنِّي {هَيْتَ لَكَ} وَلَا تَجْمَعُ وَلَا تُؤَنِّثُ، وَأَنَّهَا تُصَوِّرْهُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْعَدَدُ بِمَا بَعْدُ، وَكَذَلِكَ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ، وَقَالَ: تَقُولُ لِلْوَاحِدِ: هَيْتَ لَكَ، وَلِاثْنَيْنِ: هَيْتَ لَكُمَا، وَلِلْجَمْعِ: هَيْتَ لَكُمْ، وَلِلنِّسَاءِ: هَيْتَ لَكُنَّ.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ يُوسُفُ إِذْ دَعَتْهُ الْمَرْأَةُ إِلَى نَفْسِهَا، وَقَالَتْ لَهُ هَلُمَّ إِلَيَّ: أَعْتَصِمُ بِاللَّهِ مِنَ الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ وَأَسْتَجِيرُ بِهِ مِنْهُ
وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ}
يَقُولُ: إِنَّ صَاحِبَكِ وَزَوْجَكِ سَيِّدِي [1]
وَقَوْلُهُ: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ}
يَقُولُ: أَحْسَنَ مَنْزِلَتِي، وَأَكْرَمَنِي وَائْتَمَنَنِي، فَلَا أَخُونُهُ
وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}
يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْبَقَاءَ، وَلَا يَنْجَحُ مَنْ ظَلَمَ فَفَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ، وَهَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ مِنَ الْفُجُورِ ظُلْمٌ وَخِيَانَةٌ لِسَيِّدِي الَّذِي ائْتَمَنَنِي عَلَى مَنْزِلِهِ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ،" {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} قَالَ: هَذَا الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ ظُلْمٌ، وَلَا يُفْلِحُ مَنْ عَمِلَ بِهِ"
[1] الراجح عند المحققين أن المراد بقوله (إِنَّهُ رَبِّي) رب العزة تبارك وتعالى. والله أعلم.