والحاصل أن عمدة هذا الشاهد الأمارة الأخير فقط والمناسبة فيها محققه ، وأما الأمارة الأولى فليست مقصودة وإنما هي كالغرض ذكرت توطئة للثانية فلم يلتمس لها مناسبة مثل تلك المناسبة ، وأما إن كان الحكيم الذي كان الملك يرجع إلى رأيه فلا بد من التماس المناسبة في الطرفين لأنها عمدة الحكيم ، وأقرب وجه في المناسبة أن قدّ القميص من دبر دليل على إدباره عنها ، وقدّه من قبل دليل على إقباله عليها بوجهه ، ولا يخفى أن مثل هذا الوجه لا يصلح أن يكون مطمح نظر الحكيم الذي لا يلتفت إلا لليقينيات ، فالأولى أن يقال: يحتمل أن ذلك الحكيم كان واقفاً على حقيقة الحال بطريق من الطرق الممكنة ، ويسهل أمر ذلك إذا قلنا: إنه كان ابن عم لها فهو متيقن بعدم مقدم الشرطية الأولى وبوجود مقدم الشرطية الثانية ، ومن ضروريات ذلك الجزم بانتفاء تالي الأولى ووقوع تالي الثانية فإذا هو إخبار بكذبها وصدقه عليه السلام لكنه ساق شهادته مساقاً مأموناً من الجرح والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددة ظاهراً بين نفعها ونفعه ، وأما حقيقة فلا تردد فيها قطعاً كما أشير إليه وإلى كون الشرطية الأولى غير مقصودة بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرضاً بغفلة القاضي البيضاوي حيث قال: إن قوله تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} [يوسف: 26] ابخ من قبيل المسامحة في أحد شقي الكلام لتعين الآخر عند القائل تنيزلاً للمحتمل منزلة الظاهر لأن الشق بالجذب في هذا الشق أيضاً محتمل ، ومن غفل عن هذا قال: لأنه يدل على أنه قصدها فدفعت عن نفسها إلى آخر عبارة البيضاوي ، وحاصل ذلك على ما قرره بعض مشايخنا عليهم الرحمن أن القائل: يعلم يقيناً وقوع الشق من دبر لكنه ذكر الشق من القبل مع أنه محتمل أن يكون بجذبها إياه إلى طرفها كما أن كونه من دفعها إياه من بعض محتملاته تنزيلاً لهذا المحتمل منزلة الظاهر تأكيداً ومبالغة لثبوت ما دلت عليه الشرطية الثانية