وهكذا نعلم أنه قد حدثت مُقدِّمات تدل على أن النسوة نَويْنَ له مثل ما نَوَتْه امرأة العزيز ؛ وظَننَّ أن امرأة العزيز سوف تطرده ؛ فيتلقفنه هُنَّ ؛ وهذا دَأب البيوت الفاسدة .
وهل هناك أفسد من بيت العزيز نفسه ، بعد أن حكم الشاهد أنها هي التي راودتْ يوسف عن نفسه ؛ فيدمدم العزيز على الحكاية ، ويقول: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين} [يوسف: 29] .
وكان هدف العزيز أن يحفظ مكانته من القيل والقال .
وحين سأل الشاهد النسوة ، بماذا أَجبْنَ؟
يقول الحق سبحانه أن النسوة قُلْنَ: {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء} [يوسف: 51] .
وقد صرف الله عنه الشيطان الذي يتكفل دائماً بالغُواية ، وهو لا يدخل أبداً في معركة مع الله ؛ ولكنه يدخل مع خَلْق الله ؛ لأن الحق سبحانه يورد على لسانه: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} [ص: 82 - 83] .
فالشيطان نفسه يُقِرُّ أن مَنْ يستخلصه الله لنفسه من العباد إنما يعجز هو كشيطان عَن غوايته ، ولا يجرؤ على الاقتراب منه .
والشاهد الذي من أهل امرأة العزيز ، واستدعاه العزيز ليتعرف على الحقيقة قال: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} [يوسف: 27] .
وبعد كل هذه الأدلة فليس من حَقِّ أحد أن يتساءل: هل هَمَّ يوسف بامرأة العزيز ، أم لم يَهِمّ؟
وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، يقول الحق سبحانه:
{لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] .
والبرهان هو الحجة على الحكم . والحق سبحانه هو القائل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] .
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل} [النساء: 165] .