والجواب - واللّه أعلم - أنه لما كان قوله تعالى: « خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » يشعر بأن هذا الخلود ، هو خلود قائم على حال واحدة ، لا تتحول فيه بأهل الجنة أو النار الأحوال ، ولما كان مثل هذا الخلود المطّرد على وجه واحد ، هو شبيه بالعدم ، لا يجد فيه المنعّم طعم النعيم ، ولا يذوق منه المعذّب آلام العذاب ، بعد أن يدوم ويتّصل على هذه الصورة المطردة - لما كان ذلك مما يمكن أن يفهم من قوله تعالى: « خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » - فقد جاء قوله سبحانه: « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » استثناء من مفهوم الخلود المطّرد ، الذي يقع تحت مشيئة اللّه ، فتجرى عليه أحكام التبديل ، والتحويل ، الذي هو سنّة اللّه فِي خلقه ، كما يقول الحقّ جلّ وعلا: « يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » (29: الرحمن) .
وعلى هذا ، فإن خلود أهل الجنة فِي الجنة ، وخلود أهل النار فِي النّار ليس على صورة واحدة ، لا تتغير أبدا ، ولا تنتهى أبدا .. إذ لو كان ذلك لكان معناه المشاركة للّه سبحانه فِي دوامه الأبدى ، المنزّه عن التحول والتبدّل ..
ولكن خلود أهل الجنة وأهل النار ، إنما هو خلود يصحبه تنقّل من حال إلى حال ، على مدى الأزمان الطويلة ، فتلبس أهل الجنة أحوال وصور ، كما تلبس أهل النار أحوال وصور .. فِي رحلة طويلة على سفينة الكون السابحة فِي رحاب هذا الوجود ..!