ولم يُنزل الحق سبحانه آية واحدة ، بل أنزل آياتٍ ، بدليل أنهم إن جاءوا بحكم ما ، فهو سبحانه وتعالى ينزل الحق في هذا الحكم وأكثر تفصيلاً ؛ ولذلك يقول سبحانه:
{وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان: 33] .
ولو نزل القرآن جملة واحدة ، فكيف يعالج أسئلتهم التي جاءت في القرآن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ} .
ويضرب الله مثلاً بالبعوضة ، فيتساءلون ساخرين: كيف يضرب الله مثلاً بالبعوضة .
فينزل قول الحق سبحانه:
{إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] .
ولو كانوا عقلاء لتساءلوا: كيف ركَّب الحق سبحانه في هذا الكائن الضئيل البعوضة كل أجزاء الكائن الحي ؛ من محلِّ الغذاء إلى قدرة الهضم ، إلى محل التنفس ، إلى محل الدم ، إلى محل الأعصاب .
وكان يجب أن يأخذوا من هذا الخلق دلائل العظمة ؛ لأن عظمة الصنعة تكون في أمرين: إما ضخامة الشيء المصنوع ، وإما أن يكون الشيء المصنوع تحت إدراك الحس .
ومثال ذلك ولله المثل الأعلى أن الفنيين حين صنعوا ساعة"بج بن"التفت الناس إلى ضخامة تلك الساعة ، ودقة أدائها ، وحين صنع الفنيون في"سويسرا"ساعة دقيقة وصغيرة جداً في حجمها ، زاد إعجاب الناس بدقة الصنعة .
وهكذا نجد أن القدرة تتجلى في صناعة الشيء الكبير في الحجم ، أو صناعة الشيء الدقيق جداً ؛ فما بالنا بخالق الكون كله ، بأكبر ما فيه وأصغر ما فيه .
والحق سبحانه وتعالى يضرب المثل بالذبابة فيقول:
{إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ} [الحج: 73] .
فول اجتمع الخلق المشركون أو المتجبرون وسألوا أصنامهم أن يخلقوا لهم ذبابة ، أو حتى لو حاولوا هم خَلْق ذبابة لما استطاعوا ، ولا يقتصر الأمر على ذلك العجز فقط ، بل يتعداه إلى عجز آخر: