أقول: وهذا من الكلم القرآني الذي نهض له أهل العلم من اللغويين والمفسّرين، ووقفوا منه وقفات فيها جدّ وإخلاص.
4 -وقال تعالى: (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [الآية 27] .
قوله تعالى: (بادِيَ الرَّأْيِ بمعنى أوّل الرأي أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله: وقت حدوث أول رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقرئ بالهمز وغير الهمز.
أقول: قد يحمل على الظرف مسائل كثيرة ليست من الظرف في الدلالة الزمانية أو المكانية، فما أضيف إلى الظرف أو إلى كلّ ما يدلّ على شيء من الزمان والمكان ينصب على الظرفية، ألا ترى أن «أثناء» جمع ثني، و «خلال» مصدر يدل على المكان، ولكنهما اكتسبا الظرفية من الخافض «في» كما في قولهم: «في أثناء» ،
والخافض «من» في قولهم «من خلال» ، ثم اتسع في الاستعمال، وشاعت الظرفية في الكلمتين فأسقط الخافض فقيل: وحدث أثناء ذلك والأصل: «في أثناء ذلك» ، وقيل:
وعرض خلال الأمر، والأصل: من خلال.
5 -وقال تعالى: (وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [الآية 30] .
المراد بقوله تعالى: (مِنَ اللَّهِ، أي من انتقامه، فمن يمنعني من ذلك إن طردتهم أقول: وطيّ، «الانتقام» ، بهذه الصورة يتبين من المعنى وسياق الآية قبلها. وفي أسلوب القرآن، من الإيجاز بالحذف، ما لا يدركه إلا الفطن اللبيب.
6 -وقال تعالى: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44) .
أقول: إن أسلوب القرآن جرى على نسق من إحكام الجملة العربية، فخصّها بشيء كثير من «التناسب» ، وأريد بالتناسب محاكاة الطول، حتّى لكأنّك مع هذا النظم البديع أمام مشهد متّصل الصّور منسجم الألوان، وهذا من لطف بديع القرآن.
وأنت إذا تلوت: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، ثم عقّبت عليها بقوله تعالى: (وَيا سَماءُ أَقْلِعِي، غلب عليك جمال هذا التقطيع عن الانصراف إلى السجع بين «ابلعي» و «أقلعي» .
ونتابع هذا الأسلوب المحكم في وضع الفقر، المصيب كل الإصابة للمعنى بيانا وتصويرا، فنجد أنفسنا مأخوذين بلطف الصنعة في السّرد، وما يشبه الحركة الفنّية، في الخطاب والجواب الذي يقتضيه مقام سرد الخبر، ونتلو: