أي اللَّه لا يعجزه انتقامٌ من دَارِ الدنيا، ولا وَليٌّ يمنع من انتقام الله لمن
أراد به النقمة، ثم استأنف فقال: (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) .
فوصف مضاعفة العذاب على قَدْر ما وَصَفَ من عِظَم كًفْرهم بنبيه - صلى الله عليه وسلم - وبالبعث والنشور.
(مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ) .
أي مِنْ شدةِ كًفْرِهم وعَداوَتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيعون أن يسمعوا ما يقول.
ثم بيّنَ - جلَّ وعزَّ - ضَرَرَ ذلك عليهم فقال:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(21) .
وقوله: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ(22)
قال المفسرون: المعنى جزاء حقاً، أنهم في الآخرة هم الأخسرون
وزعم سيبويه أن جرم بمعنى حَق.
قال الشاعر.
ولقد طَعَنْت أبا عيينة طعنة... جَرمَت فزَارَة بعدها أن يَغضبُوا
معناه أحقَّت فزَارةَ الطعنةُ بالغضب.
ومعنى"لا"نفي لما ظنُّوا أنَّه ينفعُهم، كأن المعنى لا ينفعهم ذلك جرَمَ
أَنَّهم في الآخِرةِ هُمُ الَأخْسرون، أي كَسَبَ ذلكَ الفعلُ لهم الخسرانَ ثم
ضرب اللَّهُ مثلاً للمؤمنين والكافرين فقال:
(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(24)
ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم لأنهم في عداوتهم وتركهم التفهم
كمن لا يسمع ولا يبصر.
وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ(25)
كسر إنَّ في القراءة على معنى قال لهم إنِّي لكم نذير مُبين، ويجوز
أَنِّي لكم نذير مبينٌ على معنى: لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه بالِإنذار أنْ لاَ تَعْبُدوا إِلَّا اللَّه إِنِّي أنذركم لتُوَحدوا اللَّهَ، وأن تَتْركوا عبادَة غيره.