قال الشيخ أبو علي: وإنما فعلوا ذلك بالهمزة عند الوقف؛ لأنها تَخْفَى فيه، كما تَخْفَى الألف، فَأَبْدَلَ منها حرف اللين - يعني حفصًا - كما أبدلوا من الألف في قولهم: أَفْعَوْ واوًا، وأَفْعي ياءً؛ لأن هذين الحرفين. أظهر من الألف والهمزة، وأبين للسمع.
ثم قال: فإن قلت: فإنما يُفعل ذلك بالهمزة إذا كانت آخر الكلمة، وليست الهمزة آخرًا في {تَبَوَّآ} ، قيل: يجوز أن يكون لم يعتدَّ بالألف لما كانت للتثنية، والتثنية غير لازمة للكلمة، فلما لم تلزم لم يعتد بها، وصار الوقف كأنه على الهمزة، انتهى كلامه.
وقوله: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} الجعل هنا بمعنى التصيير، فلذلك تعدّى إلى مفعولين، قيل: وإنما نُوِّعَ الخطابُ فثُنِّيَ أولًا، فقيل: {أَنْ تَبَوَّآ} ، ثم جُمِعَ ثانيًا فقيل: {وَاجْعَلُوا} ، {وَأَقِيمُوا} ، ثم وُحِّدَ آخرًا،
فقيل: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} ؛ لأنه خوطب موسى وهارون - عليه السلام - أن يتبوءا لقومهما بيوتًا، ويختاراها للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء - عليه السلام -، ثم سيق الخطاب عامًّا لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها؛ لأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خُصَّ موسى صلوات الله على نبينا وعليه بالبشارة التي هي الغرض تعظيمًا لها وللمُبَشِّرِ بها.
{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) } :
قوله عز وجل: {رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} اختلف في هذه اللام:
فقيل: هي لام كي متعلقة بـ {آتَيْتَ} بمعنى: جعلت ما آتيتهم سببًا للضلال؛ لأنهم بطروا بها فاستكبروا عن الإِيمان، وطغوا في الأرض.