فإذا كان الرسول صفته أنه من أنفسكم أو من أنفسَكم أو يحبكم حبّاً يعز عليه أن تكونوا في مشقة . إذن: فخذوا توجيهاته بحسن الظن وبحسن الرأي فيها ، وذلك هو القانون التربوي الذي يجب أن يسود الدنيا كلها . فقد يقسو والد على ولده بأوامر ونواه:"افعل كذا"و"لا تفعل كذا"لا تذهب إلى المكان الفلاني ، ولا تجلس إلى فلان ، ولا تسهر خارج المنزل بعد الساعة كذا .
كل هذه أوامر قد تشق على الولد فنقول له: مشقة التكليف ممن صدرت؟ لقد صدرت من أبيك الذي تعرف حبه لك ، والذي يشقى ليوفر لك بناء المستقبل ، ويتعب ؛ لترتاح أنت ، فكيف تسمح لنفسك أن تصادق صعاليك يخرجونك عن طاعة أبيك إلى اللهو وإلى الشر . وانظر إلى والدك الذي تحمل المشقة حتى لا تتحمل أنت المشقة ، ويشق عليه أن تتعب فهو أولى بأن تسمع كلامه .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم عزيز عليه مشقتكم ، والمشقات أنواع: مشقات في الدنيا تتمثل في التكاليف التي يتطلبها الإيمان ، ولكنها تمنع مشقات أخلد في الآخرة ؛ لذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يحزن أن ينالكم في الآخرة تعب ، وتعب الدنيا موقوت وينتهي ، لكن تعب الآخرة هو الذي يرهق حقّاً ويتعب .
ولذلك يقول الحق في تصوير هذه المسألة بقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6]
لماذا؟ لأنك تعرف يا محمد أنهم إن لم ينتهوا فسوف يجدون العنت كله في الآخرة .
أو أن مشقة الآخرة هي التي يجب أن نتلافاها ، وأن نتحمل المشقات الزائلة العرضية التي تورد ثماراً .
فنحن قد نجد الرجل يقول لابنه مثلاً: اخرج إلى الحقل ، واحمل السباخ فوق الحمار واحرث وارْو ، كل هذه مشقات ستجد لذتها يوم الحصاد ، وتعطيك الأرض من خير الله كذا إردب قمحاً أو غير ذلك . ولو ترك الأب ابنه لكسله فهذه هي المشكلة الأكبر ، وحث الأب لابنه على العمل هو دفع لمغبة الضياع .