فلو كانت فتاة صغيرة وقال لها مثلما قال صلى الله عليه وسلم لخديجة لشكت في قواه العقلية ، لكن خديجة العاقلة استعرضت القضية استعراضاً عقليّاً بحتاً . فحين قال لها: أنا أخاف أن يكون الذي يأتيني رئي من الجن . قالت له:"إنك لتصل الرحم ، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق ، والله لا يخزيك الله أبداً".
إذن: فقد أخذت من مقدمات حياته قبل البعثة ما يدل على صدقه بعد البعثة .
وكذلك أبو بكر رضي الله عنه ، حينما قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه رسول . قال: أهو قالها؟ قالوا: نعم . قال: إنه رسول من الله لأنه لم يكذب طوال عمره .
وبعد ذلك يقول الحق: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} . وكلمة {عَزِيزٌ} أي: لا يُنال ولا يقدر عليه أحد ، والشيء العزيز أي نادر الوجود . وقد تقول لإنسان:"قد تكن وزيراً"؛ فيصمت رجاء ، لكن إن قلت له:"ستصبح رئيس وزراء"فيقول: هذه مسألة مستعصية وكبيرة عليَّ بعض الشيء .
إذن: فالعزة تأتي لامتناع شيء إما لقدرته ، أو عزيز بمعنى نادر ، أو يستحيل . والعزيز - هو الأمر الذي يعز على الناس أن يتداولوه ، فيقال:"عز عليّ أن أصل إلى قمة الجبل". {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} أي: شاق عليه أن يعنتكم بحكم ؛ فقلبه رحيم بكم ، وهو لا يأتي لكم بالأحكام لكي تشق عليكم ، بل تنزل الأحكام من الله لمصلحتكم ، فهو نفسه يعز عليه أن يشق عليكم .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم"مثلي كمثل رجل استوقد ناراً ، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها . وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها . قال: فذلكم مثلي ومثلكم . أنا آخذ بحجزكم عن النار . هلم عن النار . هلم عن النار . فتغلبوني تقحمون فيها ."