وقد يأخذ الأب ابنه للطبيب ، ويجد الطبيب مشغولاً ، ويرجوه الأب أن يجري للابن جراحة تنجيه وتنقذه من خطر رغم أن الأب يعلم أن الطبيب سيستخدم مع ابنه أدوات جراحية كالمشارط وغيرها ، ولكن ليعلم الابن أن هذا المشرط سيمسُّ أباك قبل أن يمسَّك ، وعلى ذلك إذا أُمرت بتكليف شاق فانظر مَنْ أمرك؟ أهو ممن تعز عليه ومن تحبه وممن يريد لك الخير؟ إن كان الأمر كذلك ؛ فعليك أن تقبل ولا تسيء الظن ، ولا تُرهق مَنْ يحبك .
واعلم أن والدك حين يصرفك عن أصدقاء السوء - مثلاً - فهو يرد عنك مصارف الشر ؛ لأنك إن اجتهدت في عملك ؛ فسوف تحصد النتيجة الطيبة ، أما إن اتجهت إلى مصارف الشر فسوف تُشَرّد وتجوع ، وسوف تدق باب بيت أبيك . وعندئذ ستسمع مثلاً عاميّاً يلخص الحكمة التي تقول"من يأكل لقمتي فليسمع كلمتي".
وهنا يقول الحق: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} ومعنى الحرص: أن يحوطكم بالرعاية ؛ حتى لا تقعوا في المشقة الأكبر . ولذلك قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صوَّر هذه المسألة بقوله صلى الله عليه وسلم:"مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار - أي أمسككم من خلفكم حتى لا تذهبوا إلى النار - وأنتم تفلتون من يدي"
والحق يُسَرّي عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ} [الكهف: 6]
ويقول الحق أيضاً لرسوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]