قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى} (ما) نفي، و {هَذَا} اسم كان، و {الْقُرْآنُ} صفة له.
و {أَنْ يُفْتَرَى} : في موضع نصب بخبر كان، وهي في تأويل المصدر، بمعنى: وما كان هذا القرآن افتراء، وفيه وجهان:
أحدهما: بمعنى المفعول كَخَلْقِ الله، وَضَرْبِ الأمير، أي: مفترىً.
والثاني: هو على بابه وفي الكلام حذف مضاف، أي: وما كان هذا القرآن ذا افتراء. وقيل: خبر كان محذوف والتقدير: وما كان هذا القرآن ممكنًا أن يفترى. وقيل: التقدير: لأن يفترى.
وقوله: {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ} الجمهور على نصب {تَصْدِيقَ} و (تفصيل) كليهما، وفي انتصابه وجهان:
أحدهما: خبر كان مضمرة لدلالة المعنى عليها، أي: ولكن كان تصديق الذي بين يديه، وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة؛ لأنه معجز دونها، فهو عيان عليها وشاهد لصحتها، كقوله: {هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} .
والثاني: مفعول له، بمعنى: ولكن أُنزل للتصديق والتفصيل.
وقرئ: بالرفع على: ولكن هو تصديق وتفصيل، أي: وتبيين ما كتب عليكم من الأوامر والنواهي، وفرض من الأحكام والشرائع. وموضع {الْكِتَابِ} نصب بالتفصيل.
وقوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} في موضع الصفة لـ {تَصْدِيقَ} ، و (تفصيل) داخل في حيز الاستدراك، وكذا {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ؛ لأن إضافتهما غير محضةٍ، والتقدير: ولكن كان تصديقًا وتفصيلًا منتفيًا عنه الريب كائنًا من رب العالمين.
ولك أن تجعلهما حالين من الكتاب، والعامل التفصيل، كأنه قيل: يبين ما كتب عليكم خالصًا من الريب كائنًا من رب العالمين.
وقد جوز أن يراد: ولكن كان تصديقًا من رب العالمين وتفصيلًا منه لا ريب فييِ ذلك، فيكون {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} متعلقًا بتصديق وتفصيل، ويكون {لَا رَيْبَ فِيهِ} اعتراضًا، كما تقول: زيد لا شك فيه كريمٌ.
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) } :