المفعول الثابت في نحو قوله: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} وتم الكلام، ثم قال: {إِلَّا أَنْ يُهْدَى} استثناء ليس من الأول، بمعنى: لكنه يحتاج أن يُهْدَى، كما يقال: فلان لا يُشْبعُ غيرَه إلّا أن يُشْبَعَ، أي: لكنه يحتاج أن يشبع.
وقيل: معناه: أمن لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلَّا أن يهدي، أي: إلَّا أن يُنقَل.
وقرئ: في غير المشهور: (إلّا أن يَهَدّي) بفتح الهاء وتشديد الدال، من هدَّاه الذي هو مبالغة في هَدَاهُ، كما بولغ في صدَق وكذب، فقيل: صدَّق وكذَّب.
وقوله: {فَمَا لَكُمْ} (ما) استفهام، ومعناه التوبيخ والتقريع، ومحله الرفع بالابتداء و {لَكُمْ} الخبر، وهنا تم الكلام.
والمعنى: أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم استأنف وقال جل ذكره: كيف تحكمون بالباطل حيث تزعمون أن له أمثالًا ونظراء؟
ومحل {كَيْفَ} ؛ نصب بـ {تَحْكُمُونَ} . فإن قلت: ما محل قوله: {أَنْ يُتَّبَعَ} ؟ قلت: النصب على تقدير: بأن يُتَّبع، أي: بالاتباع، أو بالرفع إمَّا على البدل من (مَن) في قوله: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} وهو بدل الاشتمال، أو على الابتداء وخبره {أَحَقُّ} ، والجملة خبر الابتداء الذي هو (مَن) في قوله: {أَمَّنْ لَا يَهِدِّي} ، وعلى الوجه الأول خبر (مَن) {أَحَقُّ} ، فاعرفه.
{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) } :
قوله عز وجل: {لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (شيئًا) فيه وجهان:
أحدهما: نصب بقوله: {يُغْنِي} على أنه مفعول به، و {مِنَ الْحَقِّ} في موضع نصب على الحال منه لتقدمه عليه.
والثاني: في موضع المصدر، و {مِنَ الْحَقِّ} من صلة {يُغْنِي} أي: لا يغني من الحق إغناءً، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب، والمعنى: شيئًا من الإغناء.
{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) } :