قيل فيه بوجوه: قيل: يستبدل الملائكة فينصروا رسول اللَّه على ما استبدل يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب.
وقيل: يستبدل قومًا غيركم على ما استبدلكم يا أهل مكة فينصرونه.
وقال بعض من أهل التأويل: يستبدل قومًا غيركم، أي: ينشئ قومًا غيركم.
لكن تأويل الأول أشبه.
ألا ترى أنه قال في آخره: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)
وقوله: (وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا) .
هو ما ذكرنا، أي: لا تضروا رسول اللَّه بالتخلف عنه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تضروا اللَّه شيئًا.
والأول أشبه؛ لما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) يقول: إن لم تنصروا رسول الله فاللَّه ينصره، على ما نصره في الوقت الذي كان في الغار، لم يكن معه أحد من البشر إلا واحد، فإن لم تنصروه فاللَّه كافيه في النصر، على ما كفاه ونصره في الحال التي لم يكن معه من البشر أحد إلا واحد، فاليوم لا ينصره ومعه من الأنصار والأعوان ما لا يحصى؟!
وكان ما استنفرهم رسول اللَّه وأمرهم بالخروج إلى العدو، لم يكن يستنفرهم لمكان نفسه؛ إذ يعلم أن اللَّه كافيه في نصره، ولكن إنما كان يستنفرهم ويأمرهم بالخروج لمكان أنفسهم؛ ليكتسبوا بذلك قربًا وثوابًا عند اللَّه وزلفى؛ ألا ترى أنه قال: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) ، وقال: (وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا) ، أي: إن لم تنفروا ولم تنصروا رسول اللَّه فلا تضروه شيئًا؛ إذ اللَّه كافيه في نصره.