وقوله تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ، قال الفراء والزجاج:"إن شئت جعلت الكناية راجعة إلى مدلول عليه، وهو الكنوز كأنه قال: ولا ينفقون الكنوز"، قال الزجاج:"ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال؛ لأن الأموال هي الذهب والفضة، قال: ويجوز أن تكون: ولا ينفقون الفضة، وحذف الذهمب لأنه داخل في الفضة"، وهذا معنى قول الفراء:"وإن شئت اكتفيت بذكر أحدهما من صاحبه، كقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة:11] فجعله للتجارة، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 112] فجعله للإثم، وأنشدوا:"
نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف
وأنشد الفراء للفرزدق:
إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبي وكان وكنت غير غدور
ولم يقل غدورين، وذلك لاتفاق المعنى يكتفى بذكر الواحد"."
وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة قال:"صار الخبر عن أحدهما كالخبر عنهما، وأنشد قول ضابيء البرجمي:"
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
وإلى هذا ذهب صاحب النظم وزاد بياناً فقال:"الذهب والفضة في أنهما جميعًا ثمنان للأشياء كلها ويكنزان، وهما جميعًا جوهران يدخران يجريان في عامة الأمور مجرى واحداً، فاقتصر في الكناية عن أحدهما دون الآخر؛ إذ في ذكر أحدهما ذكر لهما جميعًا"، وقال أبو بكر بن الأنباري:"اكتفى بإعادة الذكر على الفضة لأنها أقرب إلى العائد وأعم وأغلب، كقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا} [البقرة: 45] ردّ الكناية إلى الأغلب والأقرب".
وقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي ضع الوعيد بالعذاب الأليم موضع البشرى بالنعيم، ويجوز أن يكون المعنى: فأخبرهم؛ لأن أصل البشرى: ما يظهر في بشرة الوجه من فرح أو غم، إلا أنه أكثر في الفرح، وكلا القولين بما مضى الكلام فيه.