وقيل: لأنهم إذا سألهم فقير تبدو منهم آثار الكراهة والمنع ، فتكلح وجوههم ، وتقطب . ثم إذا كرر الطلب ازورّوا عنه وتركوه جانباً ، ثم إذا ألحّ ولَّوه ظهورهم واستقبلوا جهة أخرى ، وهي النهاية في الرد ، والغاية في المنع ، الدال على كراهية الإعطاء والبذل .
وهذا دأب مانعي البر والإحسان ، وعادة البخلاء ، فكان ذلك سبباً لكيّ هذه الأعضاء . وقيل: لأن هذه الأعضاء أشرف الأعضاء الظاهرة ، إذ هي المشتملة على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد ، أو لأنها أصول الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه ، فيكون كناية عن جميع البدن .
وقال القاشاني: جمع المال وكنزه مع عدم الإنفاق لا يكون إلا لاستحكام رذيلة الشح ، وحب المال ، وكل رذيلة لها كيّة يعذب بها صاحبها في الآخرة ويخزى بها في الدنيا . ولما كانت مادة رسوخ تلك الرذيلة واستحكامها هي ذلك المال ، وكان هو
الذي يحمى عليه في نار جحيم الطبيعة ، وهاوية الهوى ، فيكوى به .
وإنما خصت هذه الأعضاء ، لأن الشحّ مركوز في النفس ، والنفس تغلب القلب من
هذه الجهات ، لا من جهة العلوّ التي هي جهة استيلاء الروح ، وممرّ الحقائق والأنوار ، ولا من جهة السفل التي هي من جهة الطبيعة الجسمانية ، لعدم تمكن الطبيعة من ذلك ، فبقيت سائر الجهات ، فيؤذى بها من الجهات الأربع ويعذب ، كما تراه يعاب بها في الدنيا ، ويجزى من هذه الجهات أيضاً ، إما بأن يواجه بها جهراً فيفضح ، أو يسارّ بها في جنبه ، أو يغتاب بها من وراء ظهره . انتهى .
السابعة: قال أبو البقاء: {يَوْمَ} من قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} ظرف على المعنى ، أي: يعذبهم في ذلك اليوم .
وقيل: تقديره عذاب يوم ، وعذاب بدل من الأول ، فلما حذف المضاف أقام اليوم مقامه . وقيل: التقدير اذكروا ، وعليها في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل .