وقَوْله تَعَالَى: {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ: وَلَا يُنْفِقُونَ مِنْهَا ، فَحَذَفَ (مِنْ) وَهُوَ يُرِيدُهَا ، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} فَأَمَرَ بِأَخْذِ بَعْضِ الْمَالِ لَا جَمِيعِهِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ نَسْخَ الْأَوَّلِ إذْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ: وَلَا يُنْفِقُونَ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْكَنْزُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ كَبْسُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، قَالَ الْهُذَلِيُّ: لَا دَرَّ دَرِّي إنْ أَطْعَمْت نَازِلَكُمْ قَرْفَ الْحَتِيِّ وَعِنْدِي الْبُرُّ مَكْنُوزُ وَيُقَالُ: كَنَزْت التَّمْرَ إذَا كَبَسْته فِي الْقَوْصَرَةِ ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ لِمَا لَمْ يُؤَدَّ زَكَاتُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَعَامِرٍ وَالسُّدِّيِّ قَالُوا: مَا لَمْ يُؤَدَّ زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا وَمَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ ، وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَسْمَاءَ الشَّرْعِ لَا تُؤْخَذُ إلَّا تَوْقِيفًا ، فَثَبَتَ أَنَّ الْكَنْزَ اسْمٌ لِمَا لَمْ يُؤَدَّ زَكَاتُهُ الْمَفْرُوضَةُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ تَقْدِيرُ قَوْلِهِ:
وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ: الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} يَعْنِي الزَّكَاةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلَمْ تَقْتَضِ الْآيَةُ إلَّا وُجُوبَ الزَّكَاةِ فَحَسْبُ.