وقد يقع في الأمر والقضاء والقدر ضد هذا، فينقل الله عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه؛ لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة، فلا تتحمله النفوس ولا تنقاد إليه.
ومثاله: تدريجهم في الشرائع شيئاً فشيئاً كالتدرج في تحريم الخمر مثلاً، ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة ركعتين، فلما ألفوها زيد فيها.
ومن هذا الصيام كان على التخيير، فلما ألفوه فرض عليهم رمضان، ومنه الإذن بالجهاد، فلما ألفوه أمروا به.
وذلك كله للتربية على قبول الأحكام والإذعان لها.
والله عزَّ وجلَّ أنزل من السماء ماءً فأخرج بسببه الثمار اليانعة، والزروع والأزهار، وكذلك أنزل الوحي من السماء إلى عباده فأخرج بسببه الأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، إلا أن من الأرض ما لا يقبل الماء كالحجارة، ومن البشر من لا يقبل الهدى كالقاسية قلوبهم.
لكن الله عزَّ وجلَّ أقام الحجة على جميع العباد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومنحهم السمع والبصر والعقل.
والأوامر الشرعية تلزم من يعلمها، وتمكن من فعلها، ومن لا يعلمها أو لم يتمكن من فعلها فلا تلزمه؛ لأن الوجوب مشروط بالعلم والقدرة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور، أو فعل محظور بعد قيام الحجة كما قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) } [الإسراء: 15] .
والله تبارك وتعالى له سنة في أمره وشرعه، وله سنة في خلقه، وله سنة في قضائه وقدره.
وحكم الله القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار، وإلى جانبه حكم الله الشرعي الذي ينفذه الناس عن رضى منهم واختيار، وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي، وهو كذلك من الله ولله، شأنه شأن الحكم القدري.
لكن القدري الناس فيه مقهورون، والثاني الناس فيه مختارون: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) } [يوسف: 40] .