فسبحان الذي خلق السموات والأرض بالحق، ليأمر عباده وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم كما قال سبحانه: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) } [الجاثية: 22] .
وأحكام الشريعة إنما تثبت في حق العبد بعد بلوغه هو، وبلوغها إليه، فكما لا يترتب في حقه قبل بلوغه هو، فكذلك لا يترتب في حقه قبل بلوغها إليه في العبادات والمعاملات والحدود وغيرها، ففي العبادات لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسيء في صلاته بإعادة ما تقدم من الصلوات التي لم تكن صحيحة .. ولم يأمر معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - حين تكلم في الصلاة بالإعادة؛ لأنه لم يبلغه
الحكم .. ولم يأمر من أكل في نهار رمضان بالإعادة لما ربط الخيطين؛ لأجل التأويل .. ولم يأمر المستحاضة حين تركت الصلاة أن تعيد ما تركت .. ولم يأمر المتمعك في التراب لأجل التيمم بالإعادة مع أنه لم يصب فرض التيمم، وأهل قباء صلوا إلى القبلة المنسوخة بعد بطلانها ولم يعيدوا ما صلوا، بل استداروا في صلاتهم وأتموها؛ لأن الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم.
أما في المعاملات فإن الله تعالى أمر المؤمنين بترك ما بقي من الربا بعد الإسلام وهو ما لم يقبض، ولم يأمرهم برد المقبوض؛ لأنهم قبضوه قبل التحريم كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) } [البقرة: 278] .
وفي القصاص لم يضمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة قتيله بعد إسلامه بقصاص ولا دية ولا كفارة.
ولله عزَّ وجلَّ على كل عبد نوعان من الحقوق:
أحدها: أمره ونهيه الذي هو محض حقه عليه.
الثاني: شكر نعمه التي أنعم بها عليه.
فالله سبحانه يطالب العباد بشكر نعمه، وبالقيام بأمره، فمشهد الواجب عليه لا يزال يشهده تقصيره وتفريطه، وأنه محتاج إلى عفو الله ومغفرته.