فَإِنْ قِيلَ: قد أمرنا بأخذ العدة والقوة ما استطعنا بقوله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ...) الآية، فإنما أمرنا بما يعجبنا، فما معنى النهي عن الإعجاب بالكثرة والقوة؟ وكذلك نهانا عن التأسي على ما فاتنا، ونهانا أن نفرح بما يؤتينا، وقد كلفنا الشكر لما آتانا، والصبر على ما فات منا، فلو لم نفرح بما آتانا لم يلزمنا الشكر، ولا الصبر بما فاتنا، فما معناه؟
معناه - واللَّه أعلم - أنه نهانا أن نفرح بما يؤتينا لنفس الإيتاء، ونتأسى لنفس ما يصيبنا ويفوتنا، إنما علينا أن نفرح بفضل اللَّه ومنته الذي من علينا وخصنا به، وعلى ذلك نشكره، وعلى ذلك الصبر بما يصيبنا ويفوتنا؛ لما جعل لنا لذلك ثوابًا في الآخرة وأجرًا عظيمًا، وكذلك الكثرة، أمرنا بها، فإذا آتانا ذلك يعجبنا فضل اللَّه ومنته في تلك الكثرة، لا الكثرة لنفسها والقوة، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: الإعجاب بالكثرة كان من بعضهم، لا من الكل، فكيف هزم الكل؟ وكذلك العصيان يوم حنين إنما كان من بعض، كيف عاقب الجميع؟
قيل: لأن له أن يتلف الكل ابتداء.
ألا ترى في أمر الواحد القيام لاثنين ثم في الأمر بالجهاد أمرًا على غير وسع، ولا كذلك في سائر العبادات؛ لأنه أمر الواحد القيام لاثنين منهم، وليس في وسع أحد القيام لاثنين، فهو - واللَّه أعلم - لما أن له أن يكلف قتل أنفسهم وإتلافها.
ألا ترى أنه قال: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...) الآية، ولو لم يجز له أن يكتب قتل أنفسهم لم يكن ليذكره، دل أن ذلك له، وأن له أن يميتهم ويهلكهم؛ فعلى ذلك له أن يأمر بقتل أنفسهم، فإذا كان له ذلك؛ إذ في وسعهم قتل أنفسهم؛ فعلى ذلك له أن يكلف الواحد القيام لاثنين ولعدد، وإن كان في ذلك تلف أنفسهم.