وَهَذَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ فِرَقِ الْمُفْتَخِرِينَ الَّذِينَ افْتَخَرَ أَحَدُهُمْ بِالسِّقَايَةِ، وَالْآخَرُ بِالسِّدَانَةِ، وَالْآخَرُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ: صَدَّقُوا بِتَوْحِيدِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَهَاجَرُوا دُورَ قَوْمِهِمْ، وَجَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ فِي دِينِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَرْفَعُ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ مِنْ سُقَاةِ الْحَاجِّ وَعُمَّارِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ.
{وَأُولَئِكَ}
يَقُولُ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا {هُمُ الْفَائِزُونَ} بِالْجَنَّةِ النَّاجُونَ مِنَ النَّارِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُبَشِّرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ قَدْ رَحِمَهُمْ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ وَبِرِضْوَانٍ مِنْهُ لَهُمْ، بِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ وَأَدَائِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ.
{وَجَنَّاتٍ}
يَقُولُ: وَبَسَاتِينَ لَهُمْ فِيهَا نُعَيْمٌ مُقِيمٌ لَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ، ثَابِتٌ دَائِمٌ أَبَدًا لَهُمْ
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: رِضْوَانِي"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {خَالِدِينَ فِيهَا} مَاكِثِينَ فِيهَا، يَعْنِي فِي الْجَنَّاتِ.
{أَبَدًا} لَا نِهَايَةَ لِذَلِكَ وَلَا حَدَّ.
{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}
يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نَعَتَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّعْتَ الَّذِي ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَجْرٌ: ثَوَابٌ عَلَى طَاعَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وَأَدَائِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ عَظِيمٌ، وَذَلِكَ النَّعِيمُ الَّذِي وَعَدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَهُمْ فِي الْآخِرَةِ.