وَأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ رَشْقُ النِّبَالِ كَرِجْلِ الْجَرَادِ فَرَّ هَؤُلَاءِ وَأَدْبَرُوا فَذُعِرَ الْجَيْشُ ، وَفَرَّ غَيْرُهُمُ اضْطِرَابًا ، كَمَا هِيَ الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ لَا جُبْنًا ، وَكَانَتْ حِكْمَةُ اللهِ فِي ذَلِكَ تَرْبِيَةَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ . وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعَادَتِهِ ، وَثَبَتَ مَعَهُ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يُفَارِقُونَهُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَنْ عَدَّهُمْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا عَدَّ مَنْ رَآهُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ ، وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّ سَائِرَ الْجَيْشِ قَدِ انْهَزَمَ جُبْنًا ، وَتَرَكَ الرَّسُولَ وَهُوَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ عَمْدًا ، بَلْ وَلَّى الْجُمْهُورُ مُدْبِرِينَ بِالتَّبَعِ لِلطُّلَقَاءِ وَالْأَحْدَاثِ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْ رَشْقِ السِّهَامِ ، وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأُلُوفِ لَا يَعْرِفُ مَكَانَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، كَمَا عَرَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمَّا عَلِمَ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَاسِيَّمَا الْأَنْصَارُ بِمَكَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِدَاءِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَسْرَعُوا فِي الْعَطْفِ وَالرُّجُوعِ . هَذَا مَا رَوَاهُ الْمُحَدِّثُونَ وَالْمُؤَرِّخُونَ .