والمعنى: لقد فرضنا عليكم - أيها المؤمنون - أول الأمر أن يثبت الواحد منكم أمام عشرة من الكافرين .. والآن وبعد أن شق عليكم الاستمرار على ذلك، ولم تبق هناك ضرورة لدوام هذا الحكم لكثرة عددكم .. شرعنا لكم التخفيف رحمة بكم، ورعاية لأحوالكم، فأوجبنا عليكم أن يثبت الواحد منكم أمام اثنين من أعدائكم بدلا من عشرة، وبشرناكم بأنه إن يوجد منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من أعدائكم، وإن يوجد منكم ألف يغلبوا ألفين منهم بإذن الله وتيسيره وتأييده.
وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
أي: والله - تعالى - مع الصابرين بتأييده ورعايته ونصره، فاحرصوا على أن تكونوا من المؤمنين الصادقين لتنالوا منه - سبحانه - ما يسعدكم في دنياكم وآخرتكم.
هذا، ومن العلماء من يرى أن هذه الآية قد نسخت الآية السابقة عليها، ومنهم من يرى غير ذلك.
قال الآلوسي: قوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ .. شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد العشرة، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا - بعون الله وتأييده - فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى.
والمعنى: ليصبرن الواحد لعشرة وليست بخبر محض ...
وقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ .. أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ .. شق ذلك على المسلمين إذ فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف وهل يعد ذلك نسخا أولا؟ قولان: اختار بعضهم الثاني منهما وقال: إن الآية مخففة، ونظير ذلك التخفيف على المسافر بالفطر.
وذهب الجمهور إلى الأول، وقالوا: إن الآية الثانية ناسخة للأولى. وقال بعض العلماء:
فرض الله على المؤمنين أول الأمر ألا يفر الواحد من المؤمنين من العشرة من الكفار، وكان ذلك في وسعهم، فأعز الله بهم الدين على قلتهم، وخذل بأيديهم المشركين على كثرتهم، وكانت السرايا تهزم من المشركين أكثر من عشر أمثالها تأييدا من الله لدينه.