ليعلموا أَن نصرهم على أَعدائهم، ما كان يمكن تحقيقه إلا بمعونة الله الذي هو على كل شيء قدير، فقد كانوا قليلي العدد, ولم تكن معهم أَسلحة كافية، ولا مراكب، كما أَنهم لم يخرجوا للقتال، بل لتلقى العير، فلذا يعتبر نصرهم على المشركين من خوارق العادات، التي لا يقدر عليها إِلا الله القادر على كل شيء.
ولما علَّم سبحانه عباده المؤمنين كيفية قسم الغنائم وتوزيعها وبيان المستحقين لها، ذكر شيئًا من نعمه تعالى عليهم في غزوة بدر ليبين أَن عونه تعالى وتأْييده لهم كان ظاهرا في هذه الغزوة حيث خرجوا إِلى هذا المكان لأَخذ العير واجتمعوا على غير ميعاد ولم يكونوا مستعدين للقتال، فقال سبحانه:
42 - {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ} :
والمعنى: اذكروا نعمة الله عليكم معشر المسلمين إذ كنتم بشط الوادى القريب من المدينة، والمشركون بطرف الوادى المقابل البعيد عن المدينة، وركب أبي سفيان وأَصحابه أَسفل منكم أَيها المؤمنون، حيث كانوا ناحية الساحل ومعهم عيرهم على بعد ثلاثة أَميال من بدر.
{وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ} :
أَي ولو تواعدتم مع المشركين على القتال، ثم علمتم ضعفكم وقوتهم، لاختلفتم أنتم في الميعاد، هيبة منهم، ويأْسا من الظفر عليهم.
{وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} :
ولكن جمع الله بينكم على غير ميعاد، ليبرز أَمرا كان لا بد من وقوعه طبقا لعلم الله تعالى وقضائه، وهو نصر أَوليائه، وإِعزاز دينه.
قال الزمخشرى: فإِن قلت - ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين: وأَن العير كانت أَسفل منهم - قلت - الفائدة فيه: الإِخبار عن الحال الدالة على قوة شأْن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهيد أَسباب الغلبة له وضعف شأْن المسلمين والْتبَاس أَمرهم وأَن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إِلا صنعا من الله سبحانه ودليلا على أَن ذلك أَمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته.