وذلك أَن العدوة القصوى التي أَناخ بها المشركون. كان فيها الماء. وكانت أَرضا لا بأْس بها للحرب. ولا ماءَ بالعدوة الدنيا وهي رملية سبخة تسوخ فيها الأَرجل ولا يمشي فيها أَحد إِلا بتعب ومشقة وكانت العير وراءَ ظهور العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها ثباتهم.
وفي ذلك تصوير ما دبر الله سبحانه من أَمر وقعة بدر، ليقضى الله أَمرا كان مفعولا من إِعزاز دينه، وإِعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إِحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأْخذوا العير راغبين في الخروج وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم، من تعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأَموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، فأَناخ المسلمون بالعدوة الدنيا وأَناخ المشركون بالعدوة القصوى ووراءَهم العير. يحامون عليها حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان. اهـ من الكشاف باختصار.
وإِنما فعل الله ذلك:
42 - {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} :
أَي فعل الله لقاءَكم من غير ميعاد، ليموت من يموت عن بيِّنة وعبرة شاهدها، وحجة قامت عليه بأَن الله ينصر أَولياءَه على أَعدائهم، وليعيش من يعيش عن بينة كذلك.
وقال محمَّد بن إِسحاق في معنى الآية: ليصدر كُفر من كَفر وإِيمان، من آمن عن وضوح وبينة، فقد فسر ابن إسحاق الهلاك بالكفر، والحياة بالإِيمان, إِذ الكفر طريق الهلاك، والإِيمان طريق الحياة الأَبدية. فإِن واقعة بدر من الآيات البينات التي من كفر بعدها كان مكابرًا للحق, ظالمًا لنفسه وهالكا، ومن أسلم فقد أَسلم عن يقين وعلم بأَن الإِسلام دين الحق الذي يجب التمسك به، للتأْييد الواضح له من الله - تعالى - في هذه الغزوة فأَحيا بهذا الإِسلام نفسه {وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} : أَي وإِن الله لعظيم السمع لكل مسموع، محيط علمه بكل معلوم، ومن ذلك كفر الكافرين، وإِيمان المؤمنين, فيجزى كلا حسب حاله.