وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
ذكر هاهنا شر الدواب عند اللَّه الذين لا يؤمنون وذكر، في آية أخرى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) ، هم شر الدواب؛ حيث سمعوا الآيات والحق وعقلوها فلم يؤمنوا بها، أي: لم ينتفعوا بما عقلوا مما وقع في مسامعهم، ومما درسوا كمن لا سمْع له ولا لسان، نفى عنهم ذلك؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا.
ويحتمل أن يكون في الآخرة، أي: يبعثون يوم القيامة صمًّا بكمًا عميًا؛ لما لم ينتفعوا في الدنيا بهذه الحواس؛ كقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا...) الآية.
وقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ) .
(الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) وهو كما ذكر في آية أخرى: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) ، أخبر أن الذين كفروا وكذبوا بآياته أضل من الأنعام، وقد ذكرنا فائدة قوله: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) في موضعه.
ويحتمل قوله: (شَرَّ الدَّوَابِّ) أي: شر من يدب على وجه الأرض من الممتحنين (الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، ثم ليكونوا بهذا الوصف إذا ختموا بالكفر وترك الإيمان.
ثم اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: نزل في بني قريظة؛ حيث عاهدوا رسول اللَّه، ثم أعانوا مشركي مكة على رسول اللَّه بالسلاح وغيره، فأقالهم رسول اللَّه، وكانوا يقولون: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانية، فنقضوا العهد، فذلك قوله: (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ(56) : نقض العهد، أو لا يتقون الشرك.