وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالتَّاءِ مِنْ تَحْسَبَنَّ سَبَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ بِفَتْحِ الْأَلْفِ مِنْ أَنَّهُمْ بِمَعْنَى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ. وَلَا وَجْهَ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ يُعْقَلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْقَارِئُ بِـ لَا الَّتِي فِي يُعْجِزُونَ لَا الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ حَشْوًا وَصِلَةً. فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا أَنَّهُمْ يُعْجِزُونَ. وَلَا وَجْهَ لِتَوْجِيهِ حَرْفٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى التَّطْوِيلِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا وَلَهُ فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (لَا تَحْسَبَنَّ) بِالتَّاءِ {الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ} بِكَسْرِ الْأَلَفِ مِنْ {إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} بِمَعْنَى: وَلَا تَحْسَبَنَّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ جَحَدُوا حُجَجَ اللَّهِ وَكَذَّبُوا بِهَا سَبَقُونَا بِأَنْفُسِهِمْ،
فَفَاتُونَا، إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَنَا: أَيْ يَفُوتُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْهَرَبِ مِنَّا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَعِدُّوا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ، إِذَا خِفْتُمْ خِيَانَتَهُمْ وَغَدْرَهُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ {مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}
يَقُولُ: مَا أَطَقْتُمْ أَنْ تَعُدُّوهُ لَهُمْ مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي تَكُونُ قُوَّةً لَكُمْ عَلَيْهِمْ مِنَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ.
{تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}
يَقُولُ: تُخِيفُونَ بِإِعْدَادِكُمْ ذَلِكَ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.