وقد وردت أحاديث كثيرة تشهد بأن الناس قد فطرهم الله - تعالى - على معرفته، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما من مولود الا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء - أي سالمة الأذن - هل تحسون فيها من جدعاء - أي مقطوعة الأذن.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله - تعالى - إنى
خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم - أي صرفتهم عن دينهم - وحرمت عليهم ما أحللت لهم».
وروى الطبري عن الحسن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها» ولذلك يتبين لنا أن المعنى الإجمالى للآية الكريمة أن الله - تعالى - نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته - ومنها أنفسهم - دلائل توحيده وربوبيته، وركز فيهم عقولا وبصائر يتمكنون بها تمكنا تاما من معرفته والاستدلال بها على التوحيد والربوبية حتى صاروا بمنزلة من إذا دعى إلى الإيمان بها سارع إليه بدون شك أو تردد.
فالكلام على سبيل المجاز التمثيلى لكون الناس قد فطرهم الله - تعالى - على معرفته والإيمان به، وجعلهم مستعدين جميعا للنظر المؤدى إلى الاعتراف بوحدانيته، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل.
وعلى هذا الرأي سار المحققون من مفسري السلف والخلف:
ويرى بعض المفسرين أن معنى الآية الكريمة: أن الله - تعالى - مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك الإقرار، ثم أعادهم إلى ظهر أبيهم آدم، واستشهدوا لذلك بأحاديث وآثار ليست صحيحة الإسناد، وما حسن إسناده منها فقد أوله العلماء بما يتفق مع منطوق الآية الكريمة.