والمعنى: أي ومثل ذلك التفصيل المستتبع للمنافع الجليلة نفصل لبني آدم الآيات والدلائل، ليستعملوا عقولهم في التبصر فيها، والتدبر في أمرها، لعلهم يرجعون بها عن جهلهم، وتقليد آبائهم وأجدادهم.
وفي الآية إيماء إلى أنّ من لم تبلغه بعثة رسول .. لا يعذر يوم القيامة في الشرك بالله تعالى، ولا بفعل الفواحش والموبقات التي تنفر منها الفطر السليمة، وتدرك ضررها العقول الحصيفة، بل يعذرون بمخالفة هداية الرسل فيما شأنه أن لا يعرف إلا منهم، وهو تفصيل العبادات، وعالم الغيب، وما سيكون في اليوم الآخر من أحوال العاصين، وشؤون النبيين والصديقين من عقاب وثواب، وكنه ذلك على الحقيقة.
175 - {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} ؛ أي: واقرأ وقص يا محمد على هؤلاء اليهود النبأ العجيب {نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا} ؛ أي: خبر الشخص الذي أعطيناه حجج توحيدنا، وأفهمناه دلائل قدرتنا، حتى صار عالما بها، وكان يعلم علوم الكتب المتقدمة، والتصرف بالاسم الأعظم، وهو أحد علماء بني إسرائيل على ما قيل، فكان يدعو به حيث شاء، فيجاب بعين ما طلب في الحال {فَانْسَلَخَ} وانسل وخرج {مِنْها} ؛ أي: من آياتنا، وتركها وراءه ظهريا، ولم يلتفت إليها ليهتدي بها؛ أي: انسلخ منها كما تنسلخ الحية من جلدها، بأن كفر بها، وأعرض عنها، وفي التعبير بالإنسلاخ إيماء إلى أنّه كان متمكنا منها، ظاهرا لا باطنا {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ} ؛ أي: وبعد أن انسلخ منها باختياره أتبعه الشيطان ولحقه وأدركه واستحوذ عليه، وتمكن من الوسوسة إذ لم يبق لديه من نور البصيرة، ولا أمارات الهداية ما يحول بينه وبين قبول وسوسته، وسلوك فهمه.
وقرأ طلحة بخلاف، والحسن فيما روي عنه هارون: {فاتبعه} مشددا بمعنى تبعه، {فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ} أي فصار من الضالين المضلين المفسدين في الأرض، قال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، كان عنده اسم الله الأعظم، وقال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، بعثه موسى إلى ملك مدين داعيا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه الملك على أنّ يترك دين موسى، ويتابع الملك على دينه، ففعل وأضل الناس بذلك.