وقلت: وما يبلغ من قدر الكلب ومن مقدار الديك، أن يتفرّغ لهما شيخان من جلّة المعتزلة، وهم أشراف أهل الحكمة فأيّ شيء بلغ، غفر الله تعالى لك، من قدر جزء لا يتجزّأ من رمل عالج، والجزء الأقلّ من أوّل قطع الذّرّة للمكان السحيق، والصحيفة التي لا عمق لها، ولأيّ شيء يعنون بذلك، وما يبلغ من ثمنه وقدر حجمه، حتّى يتفرّغ للجدال فيه الشّيوخ الجلّة، والكهول العلية، وحتّى يختاروا النّظر فيه على التسبيح والتهليل، وقراءة القرآن وطول الانتصاب في الصلاة وحتّى يزعم أهله أنّه فوق الحجّ والجهاد، وفوق كل برّ واجتهاد. فإن زعمت أنّ ذلك كلّه سواء، طالت الخصومة معك، وشغلتنا بهما عمّا هو أولى بنا فيك. على أنّك إذا عممت ذلك كلّه بالذمّ، وجلّلته بالعيب، صارت المصيبة فيك أجلّ، والعزاء عنها أعسر.
وإن زعمت أنّ ذلك إنّما جاز لأنّهم لم يذهبوا إلى أثمان الأعيان في الأسواق، وإلى عظم الحجم، وإلى ما يروق العين ويلائم النفس، وأنّهم إنّما ذهبوا إلى عاقبة الأمر فيه، وإلى نتيجته، وما يتولّد عنه من علم النّهايات، ومن باب الكلّ والبعض، وكان ويكون، ومن باب ما يحيط به العلم أو ما يفضل عنه، ومن فرق ما بين مذاهب الدّهريّة ومذاهب الموحّدين. فإن كان هذا العذر مقبولا، وهذا الحكم صحيحا، فكذلك نقول في الكلب، لأنّ الكلب ليس له خطر ثمين ولا قدر في الصدر جليل لأنّه إن
كان كلب صيد فديته أربعون درهما، وإن كان كلب ضرع فديته شاة، وإن كان كلب دار فديته زنبيل من تراب، حقّ على القاتل أن يؤدّيه، وحقّ على صاحب الدار أن يقبله، فهذا مقدار ظاهر حاله ومفتّشه، وكوامن خصاله، ودفائن الحكمة فيه.
والبرهانات على عجيب تدبير الربّ تعالى ذكره فيه، على خلاف ذلك فلذلك استجازوا النّظر في شأنه، والتمثيل بينه وبين نظيره.
وتعلم أيضا مع ذلك أن الكلب إذا كان فيه، مع خموله وسقوطه، من عجيب التدبير والنعمة السابغة والحكمة البالغة، مثل هذا الإنسان الذي له خلق الله السماوات والأرض وما بينهما، أحق بأن يفكر فيه، ويحمد الله تعالى على ما أودعه من الحكمة العجيبة، والنّعمة السابغة.
وقلت: ولو كان بدل النظر فيهما النظر في التوحيد، وفي نفي التشبيه، وفي الوعد والوعيد، وفي التعديل والتجوير، وفي تصحيح الأخبار، والتفضيل بين علم الطبائع والاختيار، لكان أصوب.
(باب ما ذكر صاحب الديك من ذمّ الكلاب)